منتدي لآلـــئ

التاريخ والجغرافيا وتحليل الأحداث
 
الرئيسيةالرئيسية  مكتبة الصورمكتبة الصور  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الأستاذ
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3404
تاريخ التسجيل : 25/09/2008

مُساهمةموضوع: تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر   الأربعاء ديسمبر 29, 2010 8:44 pm

مصر 1952 ( قبل إندلاع ثورة 23 يوليو في مصر)
مايلي مقتبس بالنص من عدة صفحات من كتاب " ثورة يوليو: خمسون عاماً ..." من تأليف رئيس تحرير صحيفة الأهرام المصرية الأسبق " محمد حسنين هيكل"



 



ثــورة يوليـــو: خـمســــون عــــامــا "الساعة تدق منتصف الليل؟ "

للكاتب والصحفي الشهير "محمد حسنين هيكل"
=====================================================

الســؤال الأول: هــــــــــل كــانت الــثــورة لازمـــة؟

“1” رجــــل الساعة مستعد!

من الملاحظات اللافتة للنظر أن «على ماهر» (باشا) كُلف بتشكيل الوزارة مرتين فى ظرف ستة شهور من سنة 1952، وفى كل مرة منهما تم الاستغناء عنه بعد أسابيع ـ رغم اختلاف الظروف فى الحالتين.

ومن المفارقات أن الأسباب التى استدعت مجيئه ـ والأسباب التى أوجبت ذهابه، كانت متشابهة فى الحالتين، مع أن واحدة من المرتين (27 يناير 1952) ـ كانت أواخر زمن الملك «فاروق»، فى حين كانت المرة الثانية يوم سقوط ملكه (23 يوليو من نفس السنة).

*فى المرة الأولى كان الملك «فاروق» هو الذى كلف «على ماهر» (باشا) برئاسة الوزارة عقب حريق القاهرة وإقالة حكومة الوفد وإعلان حالة الطوارئ. وكان التكليف بناءً على تقدير الملك نفسه، ومعه معظم أقطاب ديوانه (حافظ عفيفى ـ حسن يوسف ـ عبد الفتاح عمرو) ـ وحسابهم أن «على ماهر» يملك مؤهلات التعـامل مع الطوارئ والمفاجآت، وملء الثغرات والفجوات، واستيعاب الهزات والصدمات!

*وفى المرة الثانية (23 يوليو 1952) فإن «على ماهر» لم يكن اختيارا مقصودا لذاته من ضباط يوليو، بل كان اسما طرحَ عليهم وقبلوا به، ورجح اختيارهم له شعورا (أكثر منه تفكيرا) ـ أنه كان فى الوعى الباطن طلبا لنفس المؤهلات التى كانت فى تقدير الملك وأقطاب ديوانه، ومؤداها أن «على ماهر» يملك كفاءة التعامل مع الطوارئ والمفاجآت، وملء الثغرات والفجوات، واستيعاب الهزات والصدمات.

وفى الحقيقة فإن تكرار المجيء بعلى ماهر (باشا) مرتين فى ظرفين مختلفين متناقضين ـ دليل قاطع على أن حركة التاريخ عملية معقدة، فيها دور البشر وفيها حكم الحقائق، وفيها من الملاءمات ـ وحتى المصادفات ـ ما هو نافع للسياق وأحكامه!

كان الملك «فاروق» ـ وكذلك رجال ديوانه ـ يعرفون بالتجربة والخبرة أن «على ماهر» رجل «مهام مؤقتة» وليس رجل «أوضاع لها مقدرة البقاء».

وهو يجيء مرات ـ إذا استدعى ـ لمواجهة حالات فراغ تنشأ على غير انتظار، ونتيجة لظهور أحوال طوارئ (مثل أجواء الحرب العالمية الثانية ومثل حريق القاهرة). والعادة أنه فى مثل تلك الأحوال يحجم آخرون ويتردد كثيرون ويتخوف العقلاء من مناطق المجهول فى ساحات الفراغ ـ إلا رجلا واحدا بينهم يتصور دواما أنه مهيأ لدور المنقذ المخلص، الجاهز بتشكيلة وزارية فى جيبه، محيطا نفسه برهط من الحواريين يتصورونه رجل الساعة ـ أى ساعة!

لكن المأزق فى حالة رجال مثل «على ماهر» بالذات ـ أنهم لا يقدرون على الاستمرار فى الدور طويلا، لأن أحوال الطوارئ لها أجل.

وهنا تتبدى إشكاليات وملابسات:

ـ فمهمة الإنقاذ ـ بالطبيعة موقوتة ـ لكن «على ماهر» شأنه شأن كل منقذ، يتصور مهمته مستمرة (ليست مهمة غرفة إنعاش وإنما مهمة رعاية كاملة!).

ـ والمنقذ (أو رجل مثل «على ماهر» بالذات) ليس لديه حضور دائم يزكيه، وإنما لديه أزمة تستدعيه على عجل ـ وهو إذن مهيأ لأن يتخطى آخرين أو يعقد معهم اتفاقات قصيرة الأجل ـ مُعَرَّضة للنقض عند أول منحنى على الطريق!

ـ والمنقذ (رجل الطوارئ) بالضرورة على خلاف مع طبيب العائلة المُقيم (سواء كان حزب الوفد الممثل للأغلبية الصحيحة لجماهير الشعب ـ أو مع رئيس الديوان وهو حلقة الاتصال مع القصر) ـ لأن رجل الإسعاف يهتم بالحالة كما يراها وبسرعة ـ دون مراجعة للتقارير القديمة ـ لأنها ليست متوافرة أمامه فى موقف الطوارئ ـ وليس لديه ترف انتظار وصولها إليه!

ـ ثم إن «المنقذ» فى النهاية ومهما كانت كفاءاته ـ هو فى العادة ـ نوع من «الفني»، أو «البيروقراطي» ـ نشيط ومتحفز إذا لجأ إليه أحد ـ لكن هاجسه المستمر رغبته فى تمديد مهمته، ولذلك فهو على استعداد للالتفاف حول الحقائق بظن قدرته على البقاء بذاته وصفاته سواء كانت أسباب استدعائه قائمة أو أنها انتهت لسبب أو آخر، وذلك مطلب عسير، والطريق إليه فى العادة شائك!

ـ وفى حالة «على ماهر» بالذات ـ فإن «المنقذ» كان بعيدا عن التيارات الشعبية واجوائها ومطالبها، وبالتالى فهو يبدو للناس غريبا عنهم، وعن مشاعرهم.

كانت دواعى القصر فى تكليف «على ماهر» (باشا) برئاسة الوزارة، غداة حريق القاهرة (26 يناير 1952) ـ إلى جانب ملاقاة الطوارئ والمفاجآت، وملء الثغرات والفجوات، واستيعاب الصدمات والهزات ـ مجموعة أهداف أخرى عملية ومحددة نشأت بعد الحريق:

1 ـ تهدئة الوضع الداخلى وضبط الأمن.

2 ـ والتحقيق فى أسباب العنف المدمر الذى دهم الجميع ـ وعقاب المسئولين عنه.

3 ـ وتثبيت الداخل المصرى بتعزيز سيطرة الدولة، بما يظهر أن هناك أملا تحت الأنقاض والرماد.

4 ـ وإقناع العالم الخارجى ـ بمجرد التماسك الداخلى ـ أن الاقتصاد المصرى مازال استثمارا معقولا، ويمكن أن يظل مجزيا.

5 ـ وطمأنة القوى الكبرى وأولها ـ بريطانيــا والولايات المتحدة الأمريكية ـ إلى أن الوضع فى مصر أمكن ضبطه دون تدخل بريطانى عسـكرى إمبراطورى ـ أو بقرار تتوافق عليـه الدول المهتمـة بالدفاع عن الشرق الأوسط (كما بدأ يُقال أيامها ـ إشارة إلى سياسة الولايات المتحدة الأمريكية!).

وحقيقة الأمر وراء كل الظواهر ـ أن بلوغ هذه الأهداف جزئيا أو كليا، كان معلقا إلى درجة كبيرة على إمكانية الاحتفاظ بتماسك الجيش المصرى واستمرار طاعته للأوامر الصادرة من قائده الأعلى فى قصر عابدين.

وكانت تلك حقيقة تجلت بوضوح منذ تمكنت قوات الجيش من تأمين العاصمة واستردادها من براثن الفوضى، على أنه كان لابد من فترة اختبار تؤكد أن ما «تجلي» فى لحظة أزمة قادر على أن «يستمر» بعدها!

وخلال فترة الاختبار تكشف حجم من المتغيرات لم يقع فرزه بالتوصيف والتحليل.

*أولى المتغيرات ـ أن كافة القوى السياسية المُعترف بها شرعيا أو رسميا فقدت ما كان لها من فاعلية، والدليل أن الملك أقال حكومة الوفد وسط إجماع شبه عام، على أن تلك الوزارة فشلت فى أدائها، وانهمك وزراؤها فى حروبهم الأهلية، وتسابقوا ـ فيما عدا قلة بينهم ـ إلى مستوى من فساد الذمم غير مسبوق، ثم إنها فى المجال الوطنى خلطت بين اعتبارات البقاء فى الحكم واعتبارات الإخلاص للمبدأ، وذلك أوصلها فى النهاية إلى «مأساة الإسماعيلية» و«كارثة حريق العاصمة»، ثم إن بقايا تلك الحكومة أصيبت بهلع تجلى فى سابقة ليس لها مثيل، وهى أن مجلس النواب الوفدى منح ثقته لوزارة «على ماهر» (باشا)، ووافق لها على استمرار العمل بقانون الطوارئ لمدة ثلاثة شهور قابلة للتجديد، وجرى ذلك بعد طرد وزارة تمثل الأغلبية، وزاد أن «النحاس» (باشا) اتصل بعد الإقالة برئيس الوزراء المُعَيَّن يهنئه ويؤيده، وكذلك فعل «فؤاد سراج الدين» (باشا).
وكان حال أحزاب الأقلية (وهى حزب السعديين ـ والأحرار الدستوريين ـ والحزب الوطنى ـ والكتلة) أشد ترديا إلى درجة أن أحدا لم يخطر على باله أن تلك الأحزاب «صالحة» لأداء دور رئيسى أو مساعد!

*ترافق ذلك مع حقيقة أن كل القوى السياسية غير المُعترف لها بالشرعية مثل الشيوعيين والإخوان المسلمين ومصر الفتاة أو الحزب الاشتراكى وغيرها ـ لم تمثل وقتها منفردة أو مجتمعة بديلا أو شبه بديل يمكن تجربته، فهذه القوى لم تكن لديها رؤى أو برامج تصلح أساسا لسياسات، وما كان لديها لا يزيد على شعارات عامة محرضة على الغضب، عاجزة بعده ـ أى أنها كافية لسيناريو الفوضى وليست مؤهلة لسيناريو الإنقاذ.

وفى تلك اللحظة وأثناء اختبار الحقائق، فإن هذه القوى كانت مهمومة بتبرئة نفسها من مسئولية حرائق النار الممتدة من الإسماعيلية إلى القاهرة، كلها تجاهد للهرب من المساءلة، سواء كانت سياسية أو جنائية، ومن الغريب أن كل طرف راح يزيح الشكوك ناحية الآخرين.

*والحقيقة الثالثة ـ وذلك ما توصلت إليه الدول الأجنبية ـ أنه إذا كانت القوى السياسية المُعترف بشرعيتها فى حالة إفلاس، (وصل إلى حد حريق أتى على كل شيء من المخازن إلى الدفاتر!!) ـ وأنه إذا كانت القوى السياسية غير المعترف بشرعيتها غير قادرة إلا على التحريض ثم الهرب من نتائجه ـ إذن فإن سيناريو الفوضى هو أرجح الاحتمالات ما لم ينجح الملك فى ضمان جيشه ـ إخلاصًا وكفاءةً!

ومن المفارقات أنه فى فترة الانتظار ـ أياما معدودة أو أسابيع ـ لاختبار درجة «الثبات»، والاستقرار فى الشأن المصرى، راحت الحكومة البريطانية تفكر فى كافة الاحتمالات:

* دأت تطلب من كافة السلطات المصرية (القصر ـ والوزارة الجديدة ـ والسـلطات المحلية فى محافظات قناة السويس) ـ سرعة العمل على تخفيض درجة الحرارة. وكتب القنصل البريطانى فى بورسعيد تقريرا إلى السـفير البريطانى فى القـاهرة، أحاله إلى وزارة الخارجية فى لندن (125/ 86045) جاء فيه:

«قمت بزيارة محافظ بورسعيد، الذى أكد لى أن يده الآن طليقة فى التعاون معنا ومع قيادة القوات البريطانية فى شئون الأمن، لكنه أشار لى تلميحـا إلى أنه فى انتظار أوامر مكتوبة من القاهرة، لأن الحكومة لاتزال فى موقف صعب، فهى تريد التهدئة، لكنها لا تريد أن تظهر بمظهر المتعاون معنا علنا دون تحفظات!».

*وكتب الجنرال «روبرتسون» القائد العام البريطانى فى الشرق الأوسط إلى نائب رئيس أركان حرب الإمبراطورية تقريرا فى أعقاب زيارة استطلاع قام بها إلى قيادة القوات البريطانية فى مصر (ومقرها فايد وسط منطقة قناة السويس) ـ يقول: «إننى أوصى بعدم التفكير فى الخطة «روديو»، لأنها إذا وُضِعَتْ للتنفيذ سوف تُواجَه بمقاومة أشد عنفا مما رتبنا عليه تقديراتنا لأن الجيش المصرى سوف يشترك مع «الغوغاء» فى مقاومتنا. ثم إن أحوال الفوضى التى سنواجهها سوف تحتاج إلى قوات أكبر مما خصصنا لحفظ الأمن، وإذا نجحنا فى تحقيق الهدف فسوف نكتشف أن أهم ما نجحنا فيه، أننا كسرنا القوة الوحيدة التى يمكن لها أن تحفظ الأمن الداخلى فى مصر (أى الجيش المصري) ـ ونحن لا نريد يقينا أن نتحمل عبء هذه المسئولية!».

*تجاوز رئيس الجالية البريطانية فى بورسعيد الحدود ليكتب إلى القنصل العام البريطانى فى المدينة خطابا، يجرى تحويله إلى السفير فى القاهرة، الذى يقوم بدوره بتحويله إلى وزارة الخارجية فى لندن (6868)، والاقتراح هو «وضع منطقة قناة السويس تحت إدارة دولية مستقلة لاعتبارات عَرَضَها (رئيس الجالية البريطانية فى بورسعيد) بينها أن المنطقة ليست مهمة لمصر، وإنما أهميتها بريطانية (عسكرية) ودولية (قناة السويس)، وأن العناصر الأبرز والأنشط فى مدنها الرئيسية من الأجانب: فرنسيين ـ إيطاليين ـ يونانيين. ثم إن السكان الوطنيين يعتمدون فى حياتهم ومعيشتهم على «القاعدة وعلى الثكنات وعلى المصالح التجارية الأجنبية». ويختم (رئيس الجالية البريطانية فى بورسعيد) بعد أربع صفحات مستفيضة فى شرح اقتراحه ـ بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تتحمس لفكرة تدويل المنطقة، لأن ذلك ينهى مقدرة مصر على الاستمرار فى الصراع العربى مع إسرائيل».

كانت لندن مشغولة بالشأن المصرى سابقه ولاحقه:

*بالنسبة للسابق فإن رئيس الوزراء البريطانى المحافظ الذى عاد إلى الحكم (أواخر 1951) ـ وهو الزعيم الأسطورى «ونستون تشرشل» ـ كان لايزال مصمما حسب قولـه فى مذكراته على أن الأمة البريطانية لم تحارب «هتلر» لكى تُضَيِّع ممتلكاتها، وأنه لا يقبل على تاريخه أن يكون رئيس الوزراء الذى يقوم على عملية تصفية الإمبراطورية. وفى نظر «تشرشل» فإن سياسة سلفه «كليمنت آتلي» (من حزب العمال) أدت سنة 1948 إلى استقلال الهند وإلى تقسيمها، ومع أنه أمكن استبقاء شبه القارة الهندية (الهند وباكستان) فى إطار الكومنولث ـ إلا أن ضياع مصر وفيها قاعدة قناة السويس سوف يحكم بضياع الهند، حتى وإن بقيت فى الكومنولث.

*وكان رئيس الوزراء «تشرشل»، ونائبه على رئاسة الوزارة هذه المرة السير «أنتونى إيدن» ـ يعتبر نفسه خبيرا بالشأن المصرى، فهو الذى فاوض ووقع معاهدة سنة 1936 مع «النحاس» (باشا)، ولن يقبل إلغاءها من طرف واحد وهو متفق مع «تشرشل» تماما أن مصر هى حلقة الوصل فى النظام الإمبراطورى من البحر الأبيض ـ إلى البحر الأحمر ـ إلى المحيط الهندى. وعلاوة على ذلك فإن «إيدن» يظن أنه يعرف كل رؤساء وزارات مصر وقد تعامل معهم ابتداءً من «مصطفى النحاس» (باشا) ـ زعيم الأغلبية الذى أُقيل ـ إلى «على ماهر» (باشا) الذى عاد لرئاسة الوزارة فى مهمة مؤقتة.

*وكان أشد ما يثير قلق «تشرشل» و«إيدن» معا، هو ما وقع ليلة حريق القاهرة، من ظروف أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى قلب الشأن المصرى، وكان واضحا للاثنين أن الولايات المتحدة دخلت بسهولة، لكنها لن تخرج إلا بصعوبة، هذا إذا خرجت على الإطلاق. ومع أن «تشرشل» لا يريد للولايات المتحدة أن تخرج تماما من مصر لأن ذلك يعنى خروجها من الشرق الأوسط كله ـ إلا أنه على استعداد لقبولها داعمة «لاستقرار المنطقة»، خصوصا إزاء تعقيدات الصراع العربى الإسرائيلى ـ بشرط ألا يكون من شأن ذلك إعطاء الولايات المتحدة تفويضا مفتوحا فى الشأن المصرى!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pearls.almountadaalarabi.com
الأستاذ
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3404
تاريخ التسجيل : 25/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر   الأربعاء ديسمبر 29, 2010 8:56 pm

*وهنا كان تقدير «ونستون تشرشل» أن مصر وبريطانيا ـ هذه اللحظة وهذه اللحظة فقط ـ فى حاجة إلى صلة وجسر بينهما، وقد قبل اقتراحين تقدم بهما وزير خارجيته ونائبه «أنتونى إيدن»:

ـ طلب عودة السفير المصرى «عبد الفتاح عمرو» (باشا) إلى موقعه فى لندن ليكون حلقة اتصال مباشرة مع قصر عابدين.

ـ ودعوة أطراف عربية صديقة لبريطانيا إلى لعب دور الوسيط، وأول المؤهلين فى ذلك الوقت ـ المملكة الهاشمية فى العراق، ورجلها «نورى السعيد» (باشا)، وهو واصل للقصر الملكى فى مصر عن طريق سفيره «نجيب الراوي»، ثم إنه (نورى السعيد) صديق قديم لعلى ماهر (باشا)، وهكذا فإنه فى الوقت الذى وصل فيه «عبد الفتاح عمرو» إلى لندن، كان «نورى السعيد» (باشا) رئيس وزراء العراق يصل إلى القاهرة، وكان «إيدن» بتوجيه من «تشرشل» يأمل أن يغنى اقتراب الهاشميين عن دخول الأمريكيين.

وفى نفس الوقت تشكلت فى وزارة الخارجية لجنة طوارئ خاصة «اللجنة المصرية المعاونة»، ضمت فى عضويتها ممثلين عن: رئاسة الوزارة ـ ورئاسة أركان الإمبراطورية ـ والمخابرات العسكرية ـ والسياسية، ودُعِى للمشاركة فيها عضو أمريكى تَقَرَّر أن يكون مسئول شئون الشرق الأوسط فى السفارة الأمريكية فى لندن، وهو المستشار «لوى هندرسون» (الذى أصبح فيما بعد سفيرا أمريكيا فى أكثر من عاصمة عربية).

كان أشـــد ما يثير قــلق رئيــس الوزراء البريطانى «تشرشل» ووزير خارجيته «إيدن»، هو ما وقـــع ليــــلة حــــريق القاهـــــــرة، من ظـــــــــــروف أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى قلب الشأن المصـــــــرى، وكـــــان واضحــــا للاثـــنين أن الولايــــــــــات المتحدة دخلت بسهولة، لكنهـــــا لن تخـــــــرج إلا بصعوبة، هـــــذا إذا خـــــــرجــــت على الإطلاق


“2”... ثم اختفى تحت الرماد!

ومنذ الأيام الأولى من شهر فبراير 1952 ـ كان «على ماهر» (باشا) الذى جلس بالكاد على مقعده ـ مهموما قبل أى شيء آخر بإمكانيات استمرار وزارته، وكان يفهم ـ من تجاربه الماضية، ومن الإشارات التى لمحها من حوله ـ أن هناك من يريدونه رجل مطافئ أو رجل إسعاف (أى لمدة مؤقتة)، ولم يكن ذلك ما يريده بالقطع.

كان «على ماهر» يعتبر نفسه طبيبا سياسيا (كما نقل عنه واحد من المقربين إليه هو الأستاذ «إبراهيم عبد الوهاب» سكرتير عام مجلس الشيوخ الذى اختاره وزيرا للدولة فيما بعد) ـ وأن مهمته ليست مجرد «إنقاذ الموقف» وإنما مهمة «بعث مقدس» تتعدى الأيام والرجال (كذلك قال لى «على ماهر» باشا بنفسه عندما دعانى للغداء معه فى بيته يوم الجمعة الأول من فبراير 1952، ليسمع منى ما رأيته يوم حريق القاهرة وربما فى غيره من الأيام. فقد وجدت فى يده عندما دخلت عليه فى بيته ـ الذى انتقل إليه فى الجيزة ـ نسخة من كتاب ظهر لى قبل شهور بعنوان «إيران فوق بركان» ـ على أننى كنت أريد أن أسمع من رئيس الوزراء أكثر مما أتكلم، وفى حسابى أننا يوم جمعة وغدا السبت موعد صدور أخبار اليوم، وفيها باب إخبارى عنوانه «أخبار الغد» ـ هو أصعب أبواب الجريدة على الإطلاق، وكنت المسئول عنه وقتها).

*كان «على ماهر» يدرك أن المهمة الأخطر فى إنقاذ الموقف لا تدخل فى اختصاصه عمليا، لأن تلك المهمة فى عهدة الجيش، والجيش أمره فى القصر الملكى وليس فى رئاسة الوزراء، ومع ذلك ظل الرجل حريصا على أن لا تكون وزارته مهمة مؤقتة، وإنما «مهمة أوسع وأكبر».

ولم يلبث حتى اكتشف أن ما حسبه فى اختصاصه ـ هو أيضا ـ عزيز المنال.

*وعلى سبيل المثال فإنه بالنسبة للمهام المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية وطمأنة رأس المال المصرى والأجنبى، فقد أدرك «على ماهر» (باشا) أن النجاح يحتاج إلى معجزة ليس فى مقدوره أن يمسك بها لأن دخان الحريق ما زال يملأ الأجواء.

*وبالنسبة للتحقيق فيما جرى، فقد ظهر له ولغيره أن النيابة العامة تقوم بدورها فى تطبيق القانون، لكن المهمة شبه مستحيلة. فالتهمة من اللحظة الأولى وعلى لسان الملك «فاروق» نفسه موجهة إلى الأستاذ «أحمد حسين»، وفى الغالب فإن الأستاذ «أحمد حسين» كان مسئولا ـ ربما ـ عما جرى فى ميدان الأوبرا ظهر يوم 26 يناير 1952، لكنه من الصعب اعتباره قادرا ومسئولا عما جرى فى العاصمة بكاملها. والغالب أن المسئولية الحقيقية كانت صنيعة مناخ سياسى بكامله، وليست مسئولية رجل واحد أو تنظيم بعينه، وذلك ما توصل إليه تقرير خاص أشرفت عليه السفارة البريطانية، وتم إعداده تحت إشراف هيئة مستشارين خاصة من ستة قناصل بريطانيين، تولى سكرتاريتها المستر «كين بويد» الذى عمل قُرابة خمسة عشر عاما مستشارا خاصا للأمن فى وزارة الداخلية المصرية!

وقد انتهى تقرير هذه الهيئة (86/ 1018 ج. أ) الذى وقعه السفير السير «رالف ستيفنسون» موجها إلى وزير الخارجية «أنتونى إيدن» ـ إلى تسعة أسباب محددة لحريق القاهرة ـ كلها سياسية وليس بينها سبب جنائى واحد!

*وهكذا فإن «على ماهر» (باشا) لم يلبث أن أدرك أن مهمة التحقيق التى يعتمد عليها لإطالة عمر وزارته ليست فى طوعه، ثم توصل بعد أسبوع أو عشرة أيام إلى أنه إذا استطاع أن يبدأ مفاوضات مع الإنجليز لمعالجة أصل القضية وهو تعديل معاهدة سنة 1936 بما يكفل تحقيق «الأمانى الوطنية» ـ فإن الزمن يصبح حليفا له وليس عدوا، لأن المفاوضات مع الإنجليز سوف تأخذ وقتها، ثم إنها سوف تشد الاهتمام إليها، وإذا بدت جدية الأطراف حول مائدتها ـ فإن فسحة الوقت المطلوبة سوف تتسع يقينا ولا تضيق، وكان «على ماهر» (باشا) يعول على أربعة عناصر حسبها لصالحه:

1 ـ أن الإنجليز فى حالة قلق مما جرى، وإذا كانوا لا يريدون توســيع عملياتهم العسكرية فى مصــر، فإن مواقفهم بالضرورة قد تكون أكثر لينا.

2 ـ أن الولايات المتحدة أصبحت طرفا فى الشأن المصرى، وهو نفسه تحدث مع السفير الأمريكى «جيفرسون كافري» (وكان ذلك أول لقاء له مع سفير أجنبى معتمد فى القاهرة)، وقد تصور أنه أقنعه بأهمية أن تتقدم الحكومة البريطانية بـ «عربون حُسن نية» للوزارة الجديدة، حتى ولو كان العربون بالإشارة والتلميح.

3 ـ ثم إن ساسة العالم العربى ـ خصوصا فى العراق وسوريا ـ هالَهُم ما جرى فى مصر، وقد أقبلوا يبذلون وساطتهم، خشية أن اهتزاز الأوضاع فى أكبر بلد عربى يؤثر سلبا على كل البلدان العربية، والشاهد أن السيد «نورى السعيد» (باشا) بنفسه موجود الآن فى القاهرة، يعرض وساطته ونفوذه لدى الإنجليز والأمريكيين.

وكان حال أحزاب الأقلية (وهى حزب السعديين ـ والأحرار الدستوريين ـ والحزب الوطنى ـ والكتلة) أشد ترديا إلى درجة أن أحدا لم يخطر على باله أن تلك الأحزاب «صالحة» لأداء دور رئيسى أو مساعد!

*ترافق ذلك مع حقيقة أن كل القوى السياسية غير المُعترف لها بالشرعية مثل الشيوعيين والإخوان المسلمين ومصر الفتاة أو الحزب الاشتراكى وغيرها ـ لم تمثل وقتها منفردة أو مجتمعة بديلا أو شبه بديل يمكن تجربته، فهذه القوى لم تكن لديها رؤى أو برامج تصلح أساسا لسياسات، وما كان لديها لا يزيد على شعارات عامة محرضة على الغضب، عاجزة بعده ـ أى أنها كافية لسيناريو الفوضى وليست مؤهلة لسيناريو الإنقاذ.

وفى تلك اللحظة وأثناء اختبار الحقائق، فإن هذه القوى كانت مهمومة بتبرئة نفسها من مسئولية حرائق النار الممتدة من الإسماعيلية إلى القاهرة، كلها تجاهد للهرب من المساءلة، سواء كانت سياسية أو جنائية، ومن الغريب أن كل طرف راح يزيح الشكوك ناحية الآخرين.

*والحقيقة الثالثة ـ وذلك ما توصلت إليه الدول الأجنبية ـ أنه إذا كانت القوى السياسية المُعترف بشرعيتها فى حالة إفلاس، (وصل إلى حد حريق أتى على كل شيء من المخازن إلى الدفاتر!!) ـ وأنه إذا كانت القوى السياسية غير المعترف بشرعيتها غير قادرة إلا على التحريض ثم الهرب من نتائجه ـ إذن فإن سيناريو الفوضى هو أرجح الاحتمالات ما لم ينجح الملك فى ضمان جيشه ـ إخلاصًا وكفاءةً!

ومن المفارقات أنه فى فترة الانتظار ـ أياما معدودة أو أسابيع ـ لاختبار درجة «الثبات»، والاستقرار فى الشأن المصرى، راحت الحكومة البريطانية تفكر فى كافة الاحتمالات:

* دأت تطلب من كافة السلطات المصرية (القصر ـ والوزارة الجديدة ـ والسـلطات المحلية فى محافظات قناة السويس) ـ سرعة العمل على تخفيض درجة الحرارة. وكتب القنصل البريطانى فى بورسعيد تقريرا إلى السـفير البريطانى فى القـاهرة، أحاله إلى وزارة الخارجية فى لندن (125/ 86045) جاء فيه:

«قمت بزيارة محافظ بورسعيد، الذى أكد لى أن يده الآن طليقة فى التعاون معنا ومع قيادة القوات البريطانية فى شئون الأمن، لكنه أشار لى تلميحـا إلى أنه فى انتظار أوامر مكتوبة من القاهرة، لأن الحكومة لاتزال فى موقف صعب، فهى تريد التهدئة، لكنها لا تريد أن تظهر بمظهر المتعاون معنا علنا دون تحفظات!».

*وكتب الجنرال «روبرتسون» القائد العام البريطانى فى الشرق الأوسط إلى نائب رئيس أركان حرب الإمبراطورية تقريرا فى أعقاب زيارة استطلاع قام بها إلى قيادة القوات البريطانية فى مصر (ومقرها فايد وسط منطقة قناة السويس) ـ يقول: «إننى أوصى بعدم التفكير فى الخطة «روديو»، لأنها إذا وُضِعَتْ للتنفيذ سوف تُواجَه بمقاومة أشد عنفا مما رتبنا عليه تقديراتنا لأن الجيش المصرى سوف يشترك مع «الغوغاء» فى مقاومتنا. ثم إن أحوال الفوضى التى سنواجهها سوف تحتاج إلى قوات أكبر مما خصصنا لحفظ الأمن، وإذا نجحنا فى تحقيق الهدف فسوف نكتشف أن أهم ما نجحنا فيه، أننا كسرنا القوة الوحيدة التى يمكن لها أن تحفظ الأمن الداخلى فى مصر (أى الجيش المصري) ـ ونحن لا نريد يقينا أن نتحمل عبء هذه المسئولية!».

*تجاوز رئيس الجالية البريطانية فى بورسعيد الحدود ليكتب إلى القنصل العام البريطانى فى المدينة خطابا، يجرى تحويله إلى السفير فى القاهرة، الذى يقوم بدوره بتحويله إلى وزارة الخارجية فى لندن (6868)، والاقتراح هو «وضع منطقة قناة السويس تحت إدارة دولية مستقلة لاعتبارات عَرَضَها (رئيس الجالية البريطانية فى بورسعيد) بينها أن المنطقة ليست مهمة لمصر، وإنما أهميتها بريطانية (عسكرية) ودولية (قناة السويس)، وأن العناصر الأبرز والأنشط فى مدنها الرئيسية من الأجانب: فرنسيين ـ إيطاليين ـ يونانيين. ثم إن السكان الوطنيين يعتمدون فى حياتهم ومعيشتهم على «القاعدة وعلى الثكنات وعلى المصالح التجارية الأجنبية». ويختم (رئيس الجالية البريطانية فى بورسعيد) بعد أربع صفحات مستفيضة فى شرح اقتراحه ـ بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تتحمس لفكرة تدويل المنطقة، لأن ذلك ينهى مقدرة مصر على الاستمرار فى الصراع العربى مع إسرائيل».

كانت لندن مشغولة بالشأن المصرى سابقه ولاحقه:

*بالنسبة للسابق فإن رئيس الوزراء البريطانى المحافظ الذى عاد إلى الحكم (أواخر 1951) ـ وهو الزعيم الأسطورى «ونستون تشرشل» ـ كان لايزال مصمما حسب قولـه فى مذكراته على أن الأمة البريطانية لم تحارب «هتلر» لكى تُضَيِّع ممتلكاتها، وأنه لا يقبل على تاريخه أن يكون رئيس الوزراء الذى يقوم على عملية تصفية الإمبراطورية. وفى نظر «تشرشل» فإن سياسة سلفه «كليمنت آتلي» (من حزب العمال) أدت سنة 1948 إلى استقلال الهند وإلى تقسيمها، ومع أنه أمكن استبقاء شبه القارة الهندية (الهند وباكستان) فى إطار الكومنولث ـ إلا أن ضياع مصر وفيها قاعدة قناة السويس سوف يحكم بضياع الهند، حتى وإن بقيت فى الكومنولث.

*وكان رئيس الوزراء «تشرشل»، ونائبه على رئاسة الوزارة هذه المرة السير «أنتونى إيدن» ـ يعتبر نفسه خبيرا بالشأن المصرى، فهو الذى فاوض ووقع معاهدة سنة 1936 مع «النحاس» (باشا)، ولن يقبل إلغاءها من طرف واحد وهو متفق مع «تشرشل» تماما أن مصر هى حلقة الوصل فى النظام الإمبراطورى من البحر الأبيض ـ إلى البحر الأحمر ـ إلى المحيط الهندى. وعلاوة على ذلك فإن «إيدن» يظن أنه يعرف كل رؤساء وزارات مصر وقد تعامل معهم ابتداءً من «مصطفى النحاس» (باشا) ـ زعيم الأغلبية الذى أُقيل ـ إلى «على ماهر» (باشا) الذى عاد لرئاسة الوزارة فى مهمة مؤقتة.

*وكان أشد ما يثير قلق «تشرشل» و«إيدن» معا، هو ما وقع ليلة حريق القاهرة، من ظروف أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى قلب الشأن المصرى، وكان واضحا للاثنين أن الولايات المتحدة دخلت بسهولة، لكنها لن تخرج إلا بصعوبة، هذا إذا خرجت على الإطلاق. ومع أن «تشرشل» لا يريد للولايات المتحدة أن تخرج تماما من مصر لأن ذلك يعنى خروجها من الشرق الأوسط كله ـ إلا أنه على استعداد لقبولها داعمة «لاستقرار المنطقة»، خصوصا إزاء تعقيدات الصراع العربى الإسرائيلى ـ بشرط ألا يكون من شأن ذلك إعطاء الولايات المتحدة تفويضا مفتوحا فى الشأن المصرى!
-------------------

ويظهر أن السفير البريطانى بدأ بتلقى أخبارا متضاربة، وأراد أن يستوثق مما يصل إليه، وهكذا دعا «إلياس أندراوس» (باشا) مستشار الملك للشئون المالية إلى مقابلته، وكتب بعد المقابلة تقريرا إلى وزارة الخارجية (291 ـ 47/ 1018) قال فيه:

«دعوت «أندراوس» (باشا) إلى مقابلتى مساء أمس، ومع أنى أعرف أنه رجل متآمر وكذاب إلى درجة هائلةA Monumental Liar ، فقد أردت أن أبعث إلى الملك «فاروق» برسالة واضحة، لأنى أعرف أن «إلياس أندراوس» أقرب إليه الآن من أى رجل آخر فى الحاشية.

وقلت لأندراوس: «إننى لا أرى فائدة فى أى مفاوضات تجريها مجموعة تمثل جبهة وطنية إذا كان الوفد سوف يشترك فيها برجل مثل «صلاح الدين» (يقصد الدكتور «محمد صلاح الدين (باشا) الذى كان وزيرا للخارجية فى وزارة الوفد السابقة)، ذلك لأن «صلاح الدين» خطر، وسوف تكون مجموعة التفاوض كلها واقعة تحت تأثيره، ومعنى ذلك أن نعود إلى ما كنا فيه». قلت له أيضا: «إن التحقيقات التى تُجرى حول المسئولية عن حريق القاهرة، لا معنى لها إذا لم يتحمل «سراج الدين» (يقصد «فؤاد سراج الدين» (باشا) وزير الداخلية فى وزارة الوفد السابقة) ـ مسئوليته الكاملة عن حوادث 26 يناير». وقلت: «إن الوفد يمكن تمثيله فى لجنة التفاوض برجل معتدل مثل «زكى العرابي» (باشا)».




على ماهر




ويوم الجمعة 29 فبراير فوجئ السير «رالف ستيفنسون» بأن «حافظ عفيفي» (باشا) رئيس الديوان يتصل به من مزرعته «لؤلؤة الصحراء» على طريق المنصورية، ليقول له: «إنه بناء على أمر من الملك «فاروق» سوف يقطع عطلة نهاية الأسبوع التى يقضيها هناك ويعود إلى القاهرة ويريد أن يقابله اليوم، وفى دار السفارة البريطانية، لأن مكتبه فى القصر غير جاهز للعمل يوم الجمعة!».

واتفق الاثنان (وكانت الساعة الثالثة بعد الظهر) على أن يكون لقاؤهما فى مكتب السفير البريطانى بعد الساعة السادسة مساءً، وتم اللقاء فعلا.

وفى الساعة الثامنة واثنتين وأربعين دقيقة، كان تقرير السفير البريطانى عن المقابلة قد دخل إلى آلة الشفرة (452) ـ توقيتا وترقيما، ونصه كما يلى:

«أرسل إلى الملك «فاروق» رئيس ديوانه هذا المساء يطلب منى إلغاء موعد مُتَّفَق عليه بينى وبين رئيس الوزراء «على ماهر» تحدد له الساعة العاشرة من صباح الغد (أول مارس 1952)». قال لى رئيس الديوان: «إن جلالة الملك قرر إقالة وزارة «على ماهر» لأنه يعرقل أعمال وزارات العدل والداخلية والمالية، وأنه عاجز عن التقدم فى التحقيق وتحديد المسئولية عن أحداث 26 يناير، وأهم من ذلك فإن «على ماهر» يقصد حماية نفسه بالإعلان الواسع عن استئناف المفاوضات، ولذلك فإن الملك يطلب منى أن أقوم بطلب تأجيل الموعد إلى يوم الاثنين بدلا من يوم السبت، وبذلك تفشل مناورة «على ماهر»، ويتمكن الملك من إقالته قبل أن يضع كل الأطراف أمام أمر واقع بلقاء معى يمهد لعملية التفاوض».

وقلت لرئيس الديوان الملكى: «إننى سوف أقوم بإخطار «على ماهر» صباح الغد بتأجيل الموعد 48 ساعة بعذر وعكة برد طارئة». قلت أيضا: «إننى كنت فى العادة أتردد فى دخول مثل هذه الألعاب لولا ما أراه من تهاون «على ماهر» مع حزب الوفد، وعلى أى حال فقد كان لدى القليل مما أستطيع تقديمه له!».

وهكذا كان ـ وعرف «على ماهر» (باشا) بتأجيل موعد السفير البريطانى معه ـ بسبب نوبة برد طرأت عليه ـ من جريدة أخبار اليوم (عدد السبت 1 مارس) ـ ورغم أن وزير الداخلية «مرتضى المراغي» ـ أبرز رجال الملك فى وزارة «على ماهر» (باشا) كان هو الذى أملى الخبر على الجريدة متأخرا مساء الجمعة ـ فإن رئيس الوزراء لم يعرف إلا عندما قرأ جرائد الصباح على مائدة الإفطار فى بيته (الساعة السابعة والنصف).

وطلب إلى سكرتيره أن يسأل السفارة البريطانية عن صحة الخبر، وعاد إليه سكرتيره بعد ربع ساعة يقول: «إنه نجح فى الاتصال بمكتب السفير، وقالوا له إنهم كانوا على وشك أن يتصلوا بمكتب رئيس الوزراء ـ لكنكم سبقتم!».

وأحس «على ماهر» أن هناك ما يريب فى المسألة بالنظر إلى ظاهر ملابساتها، ورأى أن يتصل بحسن يوسف (باشا) الذى أبلغه على التليفون «إن مولانا ينتظر خطاب استقالة الوزارة».

ورد «على ماهر» (طبقا لرواية «حسن يوسف» (باشا)) يقول: «طيب.. طيب»! وأغلق سماعة التليفون!

وكان خطاب قبول الاستقالة يجرى تجهيزه فى الديوان بالتوازى مع خطاب آخر بتكليف «نجيب الهلالي» (باشا) بتشكيل وزارة جديدة.

وهكذا لم يزد عمر وزارة «على ماهر» (رغم كل ما حاول) عن خمسة أسابيع، استوعب فيها صدمة الحريق، ثم اختفى تحت رماده!

كان «على ماهر» يـــدرك أن المهمــــة الأخطــــر فى إنقــــاذ الموقـــــف لا تدخـــــل فى اختصاصــه عمــليا، لأن تلك المهمة فى عهـــدة الجيـــــــــــش، والجيــــــــــش أمره فى القصر الملكى وليــس فى رئاســــة الــــوزراء، ومــع ذلك ظــــل الرجـــــــل حريصــــــا عـــــــــــلى أن لا تكــــــــون وزارتـــــــه مهمـــــــة مؤقتـــــــة، وإنمــــــا «مهمــــــة أوســــع وأكبــر»

الجيش المصرى لا يمكــــــن الوثوق فيه، فالجنـــــرالات الكبــــار من ضباطــه فقــــــدوا هيبتهــــــــــم: بعضهــــــم فقـــــــدها فى معــارك الحـــــــــــــــرب فى فلســــــــــطين، وبعضهــــــــم فقـــــــــــــدها فى صفقــــــــات السلاح ـ وأما الضباط الشــــبان فـــلم يعد يحـــــــركهم إلا شـــــعور من الكراهيــــــــــة لبريطانيـــا التى يعتبرونها مســـئولة عن كل ما لحق ببلادهــــــم. ثم إنهــــم يبدون ضيقــا شديدا من تصــــــرفات الملك الذى هو قائدهم الأعــــــــــــلى



“3”حقول الألغام: وفدية وملكية!

كان «أحمد نجيب الهلالي» (باشا) الذى عهد إليه الملك بتشكيل الوزارة التى تتولى الحكم بعد إقالة وزارة «على ماهر» (باشا) (التى تلت بدورها إقالة وزارة «مصطفى النحاس (باشا) ـ سياسيا من أذكى رجال ذلك الجيل الذى ظهر على مسرح السياسة المصرية فى عصر ما بين الثورتين الكبيرتين فى القرن العشرين (1919 و 1952). وكان فكره مرتبا بمنطق القانون الذى درسه واشتغل به محاميا لا يقف كثيرا فى ساحات المحاكم، وإنما يجلس طويلا وراء مكتبه يصوغ المذكرات القانونية بصبر دءوب لا يعرف الكلل.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pearls.almountadaalarabi.com
الأستاذ
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3404
تاريخ التسجيل : 25/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر   الأربعاء ديسمبر 29, 2010 9:01 pm

وقد عرف «نجيب الهلالي» أن مهمة تشكيل الوزارة آلت يوم الجمعة 29 فبراير، عندما اتصل به «حافظ عفيفي» رئيس الديوان الملكى يبلغه أن المسئولية التى أفلت منها مرتين من قبل، فى طريقها الآن إلى بابه، وأنه لا يستطيع هذه المرة أن يتعلل بعذر كما فعل من قبل، لأن الظروف الآن معقولة، كما أن الضرورات ملحة، و«جلالة الملك يعتمد عليك ولا تستطيع فى هذه اللحظة أن «تخذله»! ».

وكان «نجيب الهلالي» رجلا حاضر البديهة، سريعا فى التقاط التناقضات الكامنة فى المواقف، وكذلك فإنه حين اتصل به «حافظ عفيفي» (باشا) فى بيته فى المعادى ـ وكان قد جلس بالكاد إلى مائدة الغداء، لكنه قام عنها إلى مكتبه يتلقى مكالمة رئيس الديوان، وتغيب هناك أكثر من نصف ساعة، ثم عاد ليقول ضاحكا: «حاولت أن أقول لهم أن كتفى أضعف من أن يتحمل ما يطلبونه، لكنه يظهر أنه لم يعد هناك مفر من أن ظهرا واهيا عليه الآن أن يحمل جبلا ثقيلا!».

وكان «نجيب الهلالي» يشير إلى حجمه، فهو قصير القامة لا يزيد ارتفاعه على مائة وستين سنتيمترا، ونحيل فى نفس الوقت لا يزيد وزنه على ستين كيلو جراما، كما أن نظره ضعيف يحتاج إلى نظارات سميكة، وعندما عاد من حديثه مع رئيس الديوان الملكى، واتخذ مكانه من جديد على رأس المائدة فى غرفة الطعام فى بيته، كان أول ما قاله «والآن وأنتم جميعا من الشباب قولوا لى من أين نبدأ».

وكان الجالسون حول المائدة أربعة غير صاحب البيت نفسه هم:
ابنه الأستاذ «نبيل الهلالي» الذى ورث عنه مهنة القانون، وإن لم يرث توجهاته السياسية، ففى حين كان «نجيب الهلالي» يقف على يمين الوسط، فإن ابنه «نبيل» كان (ولايزال وفيا لمواقفه) ملتزما بيسار اليسار
وكان الثانى هو الدكتور «محمود محفوظ» زوج ابنة «الهلالي» (باشا) ـ وهو طبيب مرموق أصبح فيما بعد وزيرا للصحة وعضوا نشيطا فى مجلس الشورى ومهتما بالشأن العام حتى هذه اللحظة
وكان الثالث هو الأستاذ «فريد زعلوك» زعيم الشباب الوفدى فى كلية الحقوق، وزعيم الطلبة الوفديين فى معارك الأحزاب داخل الجامعة، لكنه الآن أصبح رجلا ناضجا يعمل بالمحاماة ـ وحاول أن يكون مقربا من «نجيب الهلالي» (باشا) مهنيا وسياسيا
وكان من حظى أن أكون الضيف الرابع على الغداء،[وأجد ضروريا أن أشير إلى أن طبيعة اختياراتى المهنية كمراسل سياسى متجول لعدد من السنين فى الشرق الأوسط، لفتت نظر بعض من ساسة تلك الأيام إلى ما أكتب.

وكان «نجيب الهلالي» قد تفضل ودعانى مبكرا إلى الغداء معه عقب تغطية قُمت بها لأحداث البلقان، وضمنها الحرب الأهلية فى اليونان سنة 1947، وكانت الأسباب مهيأة بسبب صداقة سبقت بين الدكتور «محمود محفوظ» (زوج ابنته) وبينى، وكذلك أصبحت صديقا للأسرة.

وكان «نجيب الهلالي» يدعو عددا من المقربين إليه مساء كل جمعة على العشاء فى مطعم «سان جيمس» (وهو من أفضل مطاعم القاهرة وقتها) ـ لكنه بعد حريق القاهرة ـ جرى على ذلك المطعم ما جرى على غيره فى وسط العاصمة، وهكذا فإن دعوة العشاء تقدم موعدها لتصبح على الغداء، كما تغير مكانها لتصبح فى بيته على الشارع الرئيسى لضاحية المعادي].

وحين وجه (نجيب الهلالي باشا) سؤاله: «والآن وأنتم جميعا من الشباب قولوا لى من أين نبدأ؟» ـ لم يتوقف بعد سؤاله، وإنما استطرد قائلا «إذا سمعت من أحدكم عبارة تهنئة فسوف أستنتج من ذلك أنه لا يفهم شيئا!».

وطالت الأحاديث وتشعبت، ثم توقفت مرتين: واحدة عندما جاء «حافظ عفيفي» (باشا) رئيس الديوان الملكى ليختلى برئيس الوزراء المُكَلَّف وحدهما فى غرفة المكتب. ومرة أخرى بعدها حوالى الساعة التاسعة والنصف مساءً عندما وصل «حسن يوسف» (باشا) ومعه مسودة خطاب التكليف الملكى حتى يتمكن «دولة الباشا» من إعداد مشروع رده عليه، ويتم الاتفاق على الخطابين ويجرى تجهيزهما فى الديوان قبل الموعد المحدد للقاء «نجيب الهلالي» (باشا) مع الملك فى قصر القبة فى الساعة الثانية عشرة ظهر الغد (السبت أول مارس 1952).

وقبل منتصف الليل كانت هناك قائمة شبه كاملة بالمرشحين للمناصب الوزارية، وبينهم رجال كان واضحا أنهم من اختيار الملك «فاروق» شخصيا (مثل «مرتضى المراغي» لوزارة الداخلية)، كما أن بعضهم من اختيار «الهلالي» (باشا) بنفسه (مثل «عبد الخالق حسونة لوزارة الخارجية) ـ ثم إن بعضهم الآخر كان بإملاء الظروف ذاتها (مثل الدكتور «زكى عبد المتعال» لوزارات المالية والاقتصاد ـ وكان ذلك منصبه فى وزارة الوفد سنة 1950، ثم خرج من الوزارة بسبب التحقيقات فى مضاربات بورصة القطن).

وفى الساعة العاشرة من صباح اليوم «الموعود» (السبت أول مارس) ـ وصل «نجيب الهلالي» من بيته ومعه ابنه «نبيل» فى سيارة يقودها زوج ابنته الدكتور «محمود محفوظ» ـ إلى مكتبه فى شارع قصر النيل، عند اتصاله بميدان سوارس (مصطفى كامل الآن) ـ وكان فى انتظاره «فريد زعلوك» (وقد رشحه «الهلالي» وزيرا للدولة معه يتولى العلاقات العامة لمكتبه) ـ وكنت هناك أنا الآخر لأن الدكتور «محمود محفوظ» اتصل بى مبكرا ناقلا طلبا من «الهلالي» (باشا) أن أنتظره فى مكتبه قبل الساعة العاشرة.

وعندما وصل «نجيب الهلالي» (باشا) كان الرجال الأربعة الذين حضروا غداءه بالأمس حوله فى مكتبه اليوم ، وكانت الساعات العشرين التى انقضت ما بين غداء الأمس وقهوة اليوم قد غيرت كثيرا من الاهتمامات والأجواء والمشاعر.

يتخذ «نجيب الهلالي» مقعده فى مكتبه، وحتى وابنه «نبيل الهلالي» يساعده على خلع معطفه الثقيل، بحيث يظهر الرجل فى حجمه الطبيعى متناقضا بشدة مع المسئولية التى توشك أن تنزل عليه ـ وجه حديثه إلى سائلا:

«محمد.. (كان ينادينا جميعا بأسمائنا الأولي) ـ أنت تعرف الجيش وما يجرى فيه من تجربتك فى فلسطين وبعدها، والمقعد الوزارى الوحيد الذى أصابنى بالأرق ليلة أمس ـ هو مقعد وزير الحربية والبحرية، ولست أريد أن يفرض على أحد مرشحا قد لا يكون الأصلح، وفى نفس الوقت فأنا أريد «ضابطا» «نظيفا» من داخل الجيش، يطمئن إليه الجميع ويثقون فيه، لكنى لا أعرف أحدا، فهل لديك اقتراح؟!».

وكان السؤال قد خطر ببالى قبل أن أسمعه من رئيس الوزراء المُكَلَّف، وكذلك وبعد لحظة انتظرته فيها حتى جلس فى مقعده، وأشعل من جديد سيجاره الذى انطفأ منه فى السيارة ـ قلت:

«لو أن «دولتك» سألتنى فى هذا الموضوع فى السنة الماضية لاقترحت عليك اللواء «فؤاد صادق» ـ أما وقد سألتنى هذا السؤال الآن فاقتراحى هو اللواء «محمد نجيب»».

وسألنى «الهلالي» (باشا) بمنطق رجل القانون: قُلْ حيثياتك فى الحالتين.

وأجبته : "بالنسبة للواء «صادق» فإن الرجل كان أكثر ضباط الجيش شعبية فى السنة الماضية، بسبب جرأته فى نقد الأحوال العامة من واقع تجربته كقائد للقوات المصرية فى فلسطين (من أكتوبر سنة 1948 إلى آخر يناير 1949).

وقد أُعجبت به (شخصيا) فى تلك الفترة، إلى درجة أننى أقنعت إدارة أخبار اليوم بأن توافق لى كمدير لتحرير أخبار اليوم، على شراء مذكراته للنشر، وقد وافق على العرض، وحملت إليه بالفعل مظروفا به ألف جنيه مقدم اتفاق.

ثم حدث بعد أسابيع قليلة أن اتصل بى اللواء «صادق» يدعونى للقائه فى بيته معتذرا عن تنفيذ الاتفاق، راغبا فى إعادة مقدم العقد لأن هناك تغييرا فى الظروف.

ثم عرفت فيما بعد ـ دون دخول فى التفاصيل ـ أن الرجل ظن فى لحظات الأزمة (يناير 1952) ـ أنه مرشح جدى لمنصب القائد العام للقوات المسلحة (بدلا من «حيدر» (باشا))، ومن ثم أراد إعفاء نفسه من أية قيود مسبقة، ومنها عقد كتابة مذكراته». وأضفت :"وظنى أن الرجل يشعر بنوع من المرارة لأن ما توقعه لم يتحقق، وفى الغالب فقد ظهر ـ فى اللحظة الأخيرة ـ اعتراض عليه، لكنه ما بين استعداد الرجل للقبول وتحول الآخرين عن اختياره ـ تأثر وضع الرجل بغير ذنب يتحمله".

وراح «نجيب الهلالي» ينفث دخان سيجاره ثم يسأل: وحيثيات نجيب؟!

وقلت: كان سؤالك عن ضابط نظيف، يطمئن إليه الجميع، وأمامنا الآن ـ بعد انتخابات نادى الضباط ـ رجل اختاره الضباط بأنفسهم، ومعنى ذلك حُسن رأيهم فيه واطمئنانهم إليه، وذلك يزكيه بأكثر من أى اعتبار آخر.

وفكر «نجيب الهلالي» لحظة ثم قال: «المشكلة أنهم لم يكونوا مستريحين لكل ما جرى فى انتخابات نادى الضباط، واعتبروه تحديا للقصر».

وقلت أننى أعرف «محمد نجيب» من سنوات، ولا أظن أنه يفكر فى تحدى القصر، وفى كل الأحوال فالسؤال الجوهرى هو: ما إذا كان القصر راغبا فى تهدئة الحال فى الجيش، أو راغبا فى استمرار التحدى!».

وقال «الهلالي» (باشا) بسماحة: أظن أن الحق معك!.

وبعد نصف ساعة غادر «نجيب الهلالي» (باشا) مكتبه قاصدا قصر القبة فى سيارة يقودها صهره الدكتور «محمود محفوظ» (أيضا) ـ وبقيتنا تنتظره حتى يعود ـ
وعاد فى الساعة الثالثة إلا ربعا، وأول ما قاله ـ وهو يخلع معطفه مرة أخرى:
[color=blue]«محمد ـ مع الأسف لم ينجح مرشحك لمنصب وزير الحربية ! عرضت اسمه على جلالة الملك، وسألنى: هل تعرف نجيب؟، وقلت: «إننى لا أعرفه». وسألنى «هل تضمنه؟». وقلت «كيف أضمنه إذا لم أكن أعرفه، لكن وسيلتنا إلى ضمان الناس أن نختبرهم عمليا وليس بكشف الهيئة فقط».
ورد الملك :«هل ترانا يا باشا فى وقت إجراء اختبارات لمنصب شديد الحساسية الآن مثل منصب وزير الحربية؟».
وهنا تدخل «حافظ» (باشا) واقترح أفضلية الانتظار قبل ملء المنصب، وعلى هذا الأساس فسوف يكون «مرتضى المراغي» وزيرا للداخلية ـ ووزيرا مؤقتا فى نفس الوقت للحربية والبحرية، حتى تتجلى لنا الظروف وحينها نعود إلى الموضوع».


وبدا واضحا من اللحظة الأولى أن «نجيب الهلالي» (باشا) كان على حق فى اعتذاره عن رئاسة الوزارة قبل ذلك مرتين، وأن العرض الثالث عليه كان ظلما له ـ بمقدار ما أن قبولـه به كان ظلما لنفسه فقد كان «الهلالي» بالطبع وبالتجربة رجل فكر ولم يكن رجل فعل. ورجال الفكر فى العادة أنواع: فهناك رجل الفكر حامل الرؤية ـ وهناك رجل الفكر صاحب المشروع ـ وهناك رجل الفكر واضع الخطط ـ وهناك رجل الفكر المشغول بالتفاصيل ـ وكان «نجيب الهلالي» (باشا) رجل فكر من النوع الأخير، ولعل تجربته فى المحاماة متخصصا فى كتابة المذكرات القانونية رسخت استعداده للتفاصيل (كان وقت تكليفه برئاسة الوزارة مشتغلا بكتابة مذكرة فى قضية لشركة «شل» للبترول، وكانت المذكرة فى مائة وثمانين صفحة ـ حجم كتاب). وليلة تكليفه بتشكيل الوزارة فإنه أغلق على نفسه باب مكتبه ست ساعات، لكى يكتب بنفسه بيان الحكومة.

كان الرجل يدرك أنه يحتاج إلى مناخ عام يقبله ويؤيده ويسمح له بأن يتقدم إلى الممكن من مهام وزارته، وهكذا فإنه طرح شعار «التطهير قبل التحرير»، ومنطقه أن التحرير عن طريق التفاوض لا ينجح إلا مع سلطة تثق فى نفسها وهى تستمدها من ثقة الناس فى صدق قيامها على القانون، ثم إن التطهير بمعنى استئصال الفساد مبدأ يقدر على جذب أفضل العناصر داخل حزب الوفد، خصوصا من أعضاء مجلس النواب (وكان «الهلالي» (باشا) بناء على تشاور مع «عبد السلام فهمى جمعة» (باشا) يظن أن بمقدوره «شد» ما بين مائة إلى مائة وعشرين نائبا من حزب الوفد) ـ يضاف إلى ذلك أنه إذا كان من الضرورى إجراء حساب عن أسباب حريق القاهرة يبحث فى مسئولية «فؤاد سراج الدين» ـ إذن فإن منطق التطهير هو وحده القادر على إجراء الحساب سواء بالتقصير أو بما هو أشد منه. (وفى الواقع فإن «نجيب الهلالي» (باشا) كان يكره «فؤاد سراج الدين» (باشا) ويُحَمِّلَهُ مباشرة مسئولية ما جرى للوفد ولرئيسه ولوزارته ـ وفى ذلك فإن «الهلالي» (باشا) كان قاسيا فى حكمه بأكثر مما تحتمله طبائع الناس وظروفهم وحدودهم).

وتبين خطوط تفكير «الهلالي» (باشا) فى رده على التكليف الملكى، حين يقول:

«إن وزارته سوف تبذل قصارى الجهد فى تحقيق «الأمانى الوطنية»، لكنه لابد من إدراك أن النجاح فى هذه الأمانى الوطنية يقتضى تطهير الحياة السياسية فى مصر من الفساد، وإقرار الأمن والاطمئنان، وردع الإهمال أن يقوض الحياة العامة للبلاد، ومحاسبة المسئولين عن الانحراف بالفساد أو بالتستر عليه. وإذا لم يقع مثل هذا الحساب فإن الآثار سوف تكون فادحة على فكرة العمل العام، لأن بعض الساسة احترفوا السياسة وسيلة من وسائل الثراء تمارس بغير حياء، إلى درجة أصبحت فيها مقاعد مجلس النواب مواقع تُباع بالمزاد العلنى كما تُباع العقارات، وتفشى الفساد والمحسوبية والاستغلال إلى حد الاستهتار بالقوانين وابتذالها».

وهكذا انفتحت الملفات وظهرت الخبايا والدفائن، وعندها اكتشفت وزارة «نجيب الهلالي» أنها دخلت إلى حقل الألغام، ولم يكن قد مضى على تشكيلها أكثر من ستة أسابيع.

ويوم 26 إبريل 1952، كتب السفير البريطانى السير «رالف ستيفنسون» تقريرا مفصلا إلى لندن (رقم 109/ 1011/77/52) موجها خطابه إلى «أنتونى إيدن» وزير الخارجية ـ وقائلا:

ســيدى

لى الشرف أن أضع تحت تصرفكم تلخيصا للأوضاع الداخلية فى مصر وتطوراتها منذ تأليف وزارة «نجيب الهلالي» (باشا)، وبدء عملها يوم 2 مارس:

1 ـ أن «على ماهر» (باشا) أُقيل من الحكم، وجاء «الهلالي» بدلا منه، لأن الملك «فاروق» يريد رجلا لديه الجسارة على مواجهة الوفد. وكانت البيانات الأولى الصادرة عن رئيس الوزراء الجديد ـ وكذلك كان اختياره لوزرائه ـ يوحى للوهلة الأولى بأنه إعلان حرب على الوفد. وقد بدأ «الهلالي» (باشا) بتأجيل انعقاد مجلس النواب، وبنشر تقرير من النائب العام عن نتائج تحقيقاته فى حوادث 26 يناير (حريق القاهرة)، وفيها ما يضع جزءا من المسئولية على «فؤاد سراج الدين» (باشا)، كذلك قام وزير المالية والاقتصاد (الدكتور «زكى عبد المتعال») بإذاعة تفاصيل عدد من فضائح الفساد المالى تمس قرينة «النحاس» (باشا) ـ وفوق ذلك فإن الحكومة قامت بإلغاء مئات من التعيينات والترقيات الاستثنائية التى منحتها حكومة الوفد لأنصارها ورجالها الذين جاءت بهم إلى السلطة ودفعتهم إلى أكبر الوظائف باعتبارهم «موضع ثقة».

2 ـ ويوم 15 مارس أعلن «الهلالي» (باشا) عن إجراءات للتحقيق فى تصرفات وزراء الوفد وأنصاره، وحاول الوفد تخويف الوزارة بالدعوة إلى إضرابات فى الجامعة، لكن «الهلالي» (باشا) قابل ذلك بحزم، وقام يوم 17 مارس بتحديد إقامة «فؤاد سراج الدين» (باشا) فى عزبة يملكها فى بلبيس، كما قام بتحديد إقامة «عبد الفتاح حسن» (باشا) فى قريته وسط الدلتا، وهكذا نجح «الهلالي» فى حصر تأثير أقوى رجلين فى «عصابة» التحريض الوفدية. وظلت الأحوال العامة هادئة بعد تلك الإجراءات، بما أظهر أن الحكومة تملك العزم والصرامة الكافية، لوضع حزب الوفد فى حدوده وكشفه، وبدا أن عددا كبيرا من الوفديين يرتبون للخروج من الحزب، راغبين فى ترك سفينته الغارقة. (وبالفعل فإن أكثر من خمسين نائبا وفديا بينهم «عبد السلام فهمى جمعة» (باشا) رئيس المجلس، أعلنوا ثقتهم بالهلالى (باشا) وتوجه «جمعة» (باشا) بنفسه إلى مكتب رئيس الوزراء وقضى معه أكثر من ساعتين صرح بعدها بأنه يعرف صلابة «الهلالي» (باشا) ويثق فى حُسن سياسته.

3 ـ وفى هذه المرحلة فإن «نجيب الهلالي» وجد نفسه تحت ضغوط شعبية تطالبه بأن لا يغفل قضية «الأمانى الوطنية» (بشعار التطهير قبل التحرير)، وهكذا فإنه عاد يلح على أهمية الوصول إلى تسوية سريعة لمشكلة العلاقات المصرية ـ البريطانية، وظنه ـ مثل غيره من سابقيه ـ أنه يستطيع استغلال أى نجاح يحققه معنا فى تدعيم سياسته الداخلية. وعندما بدأ اتصالاته مع سفير حكومة صاحب الجلالة (أى مع السير «رالف ستيفنسون») ـ فإنه تبين لأول مرة فيما يظهر أن المسائل أصعب بكثير مما قدر (رغم أنه دعا الدكتور «محمد صلاح الدين» قبل مقابلته مع السفير «رالف ستيفنسون» واستمع إليه صباح يوم كامل)، وهنا فإن «الهلالي» رأى أن يتمهل فى تنفيذ برنامجه الداخلى، وإلا اتهم بأنه اختار الطريق السهل بضرب الخصوم الداخليين ـ والبعد عن الطريق الصعب بمواجهة الأعداء الخارجيين. وعندما ظهر تردده ـ قرر المستعدون للخروج من الوفد أن الانتظار أسلم، كما أن عددا من قيادات الحزب بدءوا يستعيدون الثقة بأنفسهم وبزملائهم ـ على الأقل بمنطق التضامن حتى «لا يؤكلوا واحدا بعد الآخر».

4 ـ وقد اضطر «الهلالي» بعد ذلك إلى مد العمل بالأحكام العُرفية بمقتضى مرسوم ملكى قبل انتهاء الأجل يوم 26 مارس، لأنه لم يكن يستطيع أن يذهب إلى مجلس النواب ويطلب مد العمل بالقانون فترة أخرى، وهنا فإن «الهلالي» لم يغضب الوفديين فقط، وإنما أغضب غيرهم من الجماعات الممثلة فى البرلمان وأهمهم المستقلين.

5 ـ ولمواجهة النقد الموجه ضده فإن «الهلالي» (باشا) أعلن استعداده لإجراء انتخابات جديدة وعندها فإنه أدخل نفسه إلى فخ ـ لأنه لا يستطيع أن يمنع الوفديين من دخولها، ولا يستطيع أن يمنعهم من الفوز بجزء كبير من المقاعد البرلمانية فيها، وهم مسلحون بأموال وفيرة، وبتنظيمات لا تزال فاعلة، وبأنصار فى الإدارة مازالوا فى مواقعهم، وسوف ينشط هؤلاء جميعا إذا أحسوا أن هناك فرصة أمام الوفد. ومما قوى من أعصاب الوفديين أن الإخوان المسلمين أعلنوا أنهم لن يدخلوا الانتخابات، وهنا أعلن الوفد أنه سوف ينزل بمرشحين له فى كل الدوائر الانتخابية.

وبان الفخ الذى دخل إليه «الهلالي» بقدميه حين بدأت بعض الصحف (الموالية للقصر) تتساءل عن ما إذا كان «الهلالي» (باشا) قد جاء إلى الحكم لكى ينتحر سياسيا ويفتح الطريق لعودة الوفد.

6 ـ إن مركز «الهلالي» (باشا) راح يضعف، خصوصا وأنه (مثل «على ماهر» قبله) لا يملك قاعدة قوة مستقلة، ولا شعبية كاسحة، وحتى أحزاب الأقلية لم تعد معه، لأنها اعتبرت وزارته مقدمة لعودتها هى إلى السلطة ـ مادام القصر لا يقبل بعودة الوفد.

وعلينا أن نتذكر أن رؤساء الوزارات فى مصر هم بالمعنى الحقيقى (وليس الرمزي) خـدما للمـلك (كما ثبت بطـرد النحاس باشا مرة أخرى يوم 27 يناير الأخير) ـ والقاعدة الراسخة هنا هى القاعــدة المعمول بها قبـل الثــورة الفرنســية والتى تقــول «Le Roi peut trouver des Ministres» (أى أن الملك بمقدوره دائما أن يجد وزراءً حين يشاء).

7 ـ وكذلك فإنه مرة أخرى يبدو أن «الهلالي» سوف يعود إلينا طالبا فرصة تدعم موقفه، فإذا لم يجد مثل هذه الفرصة فإن عليه أن يقبل هزيمته أمام حقائق أكبر!».

على أن «الهلالي» (باشا) لم يكن فيما بدا من تصرفاته مستعدا لقبول الهزيمة، وهكذا فإنه راح من بداية شهر أبريل يكثف الحملة على الفساد، واعتقاده أنه يستطيع بواسطتها أن يحقق اختراقا كبيرا، بعد أن أقنعه الدكتور «زكى عبد المتعال» بأن «الحوت الكبير فى محيط السياسة» المصرية وهو «أحمد عبود» (باشا) دخل فى الشبكة وأنه على وشك اصطياده فعلا، وبما يكفل محاكمته ووضعه وراء قضبان السجن.


وفى ظاهر الحوادث ما يوحى بأن «الهلالي» (باشا) ـ ركز جهدا كبيرا فى اصطياد «أحمد عبود» (باشا) فى تلك الفترة الحرجة من الحياة القصيرة لوزارته. وكان تقديره أنه إذا وقع «أحمد عبود» ـ فسوف يقع وراءه بالضرورة «فؤاد سراج الدين»، وأهم من ذلك فإن الدعم المالى الهائل للوفد سوف تجف ينابيعه عند المصدر، وإذا توقف تدفق المال فإن الوفد سوف يصل إلى الانتخابات العامة ـ المُقَدَّر لها شهر أكتوبر القادم 1952 ـ وهو مشلول بالإفلاس!

وفى اندفاع «نجيب الهلالي» (باشا) إلى الإمساك بعبود (باشا) متلبسا بتسخير الدولة فى خدمة مصالحه، فإن بعض وزرائه (وأولهم الدكتور «زكى عبد المتعال») نسوا أنفسهم واجتازوا الخطوط الحمراء وهم لا يعرفون!

والسبب أن مطاردة «أحمد عبود» (باشا) ـ قادت تلقائيا إلى صديقه ورجله الدائم «حسين سري» (باشا) ـ ثم إن «أحمد عبود» و«حسين سري» معا قادا إلى ثنائى آخر أكثر أهمية، وهو ثنائى «كريم ثابت» و«إلياس أندراوس»، ومعنى الوصول إلى الاثنين، أن وزارة «الهلالي» دخلت إلى حقل ألغام. ومع أن «الهلالي» (باشا) تلقى أكثر من تحذير، أحدها من رئيس الديوان الملكى «حافظ عفيفي» (باشا) ـ فإن الوقت كان متأخرا. وطبقا لنجيب الهلالى (باشا) نفسه فإنه «لم يكن فى مقدورى ولا مقدور غيرى أن يقف وسط حقل ألغام ويفرز ويقول هذه ألغام وفدية يمكن تفجيرها، وهذه ألغام ملكية لا يمكن المساس بها».

عرف «نجيب الهلالي» أن مهمة تشـكيل الوزارة آلت إليه يوم الجمعة 29 فبــراير، عندما اتصــــل به «حافظ عفيفي» رئيـس الديـــــوان الملكــى يبلغـــــه أن المســـئولية التى أفـــــلت منهــا مرتين من قبل، فى طريقها الآن إلى بابه، وأنه لا يستطيع هذه المرة أن يتعلل بعــــذر كما فعــل من قبــل، لأن الظـــروف الآن معقولة، كما أن الضـــــرورات ملحة، و«جلالة الملك يعتمد عليـــك ولا تســــتطيع فى هـذه اللحظـــة أن «تخــــذله»!».


وجـد «نجيب الهلالي» (باشا) نفســــه تحــــت ضغــــوط شعبيـــة تطالبه بأن لا يغفــــل قضيـــة «الأمـانى الوطنيــة» (بشــعار التطهيـــر قبــــل التحــرير)، وهكذا فإنه عاد يلح على أهمية الوصول إلى تسوية

ســـــريعة لمشـــكلة العــــلاقات المصــــرية ـ البريطانيــــــة، وظنــه ـ مثــل غيــره من ســابقيه ـ أنــه يســــتطيع اســتغلال أى نجـــاح يحققــه فــى تدعيــم ســـياســـته الداخليــــة



“4”ألعاب الوقت الضائع!

ظن «نجيب الهلالي» (باشا) حتى وقت أوائل شهر مايو أن بإمكانه إنقاذ الملك «فاروق» من حاشية السوء التى تحيط به، وتدفع مستقبله ومستقبل العرش إلى المنحدر الخطر، وانتهز فرصة عيد جلوس الملك «فاروق» (مايو 1952)، وأقام حفل استقبال فى «قصر الزعفران» خلع فيه على الملك لقب «منقذ البلاد وراعى مستقبلها».

..................
..................

[وأحس «نجيب الهلالي» (باشا) أن ما سمعناه منه فى قصر الزعفران لم يستثر حماستنا، وكذلك قال لنا صباح اليوم التالى ونحن نتناول طعام الإفطار معه (الدكتور «محمود محفوظ» والأستاذ «نبيل الهلالي») ـ وحتى قبل أن نسأله «إن بعض المسائل تقتضى حكمة الشيوخ قبل حماسة الشباب، وهو فى تعامله مع الملك يشعر أن «فاروق» مجنى عليه وليس جانيا، وحتى إذا لاحت شواهد تقول بالعكس، فإن تغليب حُسن الظن كفيل بإحداث يقظة ضمير تدفع إليها على الأقل ـ رغبته فى المحافظة على العرش!»].

..................
..................

والحاصل أن «نجيب الهلالي» (باشا) لم يكن داريا بما يجرى وراء ظهره، وما شارك فيه بعض وزرائه، فقد راح القصر فى تلك الأيام يسمع كلاما كثيرا عن عجز رئيس الوزراء وتردده، وكرر الملك أكثر من مرة أمام «حسن يوسف» (باشا) ـ وربما آخرين غيره ـ «أن الوزارة موش نافعة»، على أنه كان حائرا فيما يمكن عمله، فهو يريد هذا الصيف إجازة طويلة فى أوربا وقد بدأ يعد لها، خصوصا «وأن هذه السنة كلها كانت مقرفة» ـ على حد وصفه!

وتصور الملك على الأرجح أنه ليس فى مقدوره تغيير الوزارة قبل سفره، لأن تغيير الوزارة يقتضى منه أن يتابعها شهرين أو ثلاثة قبل أن يطمئن ويترك فى يدها «شئون البلد». وإذا انتظر هذه المدة، فمعنى ذلك أنه سوف يكون مضطرا لقضاء الصيف فى مصر (فهو الآن شهر مايو وإذا جرى الانتظار شهرين أو ثلاثة ـ والنتيجة مجهولة ـ فمعنى ذلك أن الصيف كله ضاع) ـ وإذا قرر الملك أن يؤجل الحسم إلى ما بعد عودته فى سبتمبر (كما فعل فى السنة السابقة)، فمعنى ذلك أنه سيعود ليجد أن الانتخابات البرلمانية الموعودة فى شهر أكتوبر بدأت فعلا وسوف تدهمه نتائجها.

ولم يكن الملك متأكدا من الطريقة التى سوف تتصرف بها وزارة «الهلالي» (باشا) فى ملفات التحقيقات المتشعبة، والتى اقتربت أكثر من اللازم من رجاله الموثوقين وبالذات: «كريم ثابت» و«إلياس أندراوس». ثم أضيف إلى تلك الهموم أن محاولة جرت لاغتيال «حسين سرى عامر» (قائد سلاح الحدود ورجل القصر فى الجيش ومرشحه الذى تضافر شباب الضباط على إسقاطه فى انتخابات مجلس إدارة نادى الضباط) ـ ومع أن محاولة اغتيال «حسين سرى عامر» فشلت بسبب يقظة حرسه الذى رد على نيران المهاجمين بسرعة، فإن مجرد محاولة الاغتيال (على خلفية ما جرى فى انتخابات نادى ضباط الجيش) أثار توجسه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pearls.almountadaalarabi.com
الأستاذ
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3404
تاريخ التسجيل : 25/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر   الأربعاء ديسمبر 29, 2010 9:14 pm

ولعدة أيام راح الملك «فاروق» يفكر فى اقتراح بديل تقدم به إليه الدكتور «يوسف رشاد»، مؤداه الاستغناء عن وزارة «الهلالي» وتشكيل حكومة أمن يدخل فيها بعض العسكريين ويرأسها وزير الداخلية «أحمد مرتضى المراغي»، وهو رجل ورث الولاء للقصر عن والده الشيخ محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر القوي ـ ثم إن «مرتضى المراغي» رجل حازم بدليل قبضته الحديدية التى استطاعت وقف نار الفتنة بين «العرب الهوارة» وبين «الفلاحين الصعايدة» فى محافظات مصر الجنوبية بعد أن نشبت معارك قتل وثأر بين الفريقين طالت سنوات.

ورأى «يوسف رشاد» وآخرون (انضم إليهم «كريم ثابت» (باشا) ) ـ أن وزارة أمن تحزم وتضبط ـ تحقق للملك عدة أهداف:

1 ـ تضع على الرف مؤقتا وبطبيعة الحال مسألة العلاقات بين مصر وبريطانيا.

2 ـ تعفى الملك من كل الأحزاب ومن كل الساسة التقليديين لأن الجميع فقدوا أى كفاءة لديهم وأى اعتبار كان لهم.

3 ـ تضبط الأمور ولو على الأقل لفترة انتقال تعطى الملك فرصة للتفكير فيما هو أبعد من موعد الانتخابات البرلمانية القادمة!

4 ـ ومعنى ذلك أن الصيف القادم فى ظل حكومة عسكرية مسيطرة ـ تتيح للملك إجازته فى أوربا مطمئنا ـ واثقا ـ وسعيدا.

5 ـ إن ذلك عندما يحدث سوف يقنع كل الناس فى الداخل وفى الخارج على السواء أن الملك «فاروق» سيد الموقف فى مصر والقادر على أى ظرف وكل حال!

والمدهش أن وزير الداخلية «أحمد مرتضى المراغي» أخذ يمهد نفسه فى ذلك الوقت بادئا بـ: «كيرميت روزفلت» مسئول مكتب المخابرات المركزية فى الشرق الأوسط، وكان دائم التردد على القاهرة تلك الأيام، وقد استطاع أحد أصدقاء الطرفين (الصحفى الشهير الأستاذ مصطفى أمين) أن يرتب ثلاث مقابلات بينهما فى الفترة ما بين 15 فبراير وحتى منتصف أبريل، وكان «المراغي» عضوا فى وزارة «على ماهر» ثم فى وزارة «نجيب الهلالي».

وأحست السفارة الأمريكية (وهى الممثل الرسمى للحكومة الأمريكية فى مصر) أنها لا يصح أن تبقى بعيدة عن مراكز القوة (وتترك الساحة لوكالة المخابرات المركزية)، وكذلك اتصل السفير الأمريكى «جيفرسون كافري» بوزير الداخلية بنفسه يسمع منه مباشرة بدلا من أن يقرأ عنه بالوساطة نقلا عن «كيرميت روزفلت»، وحدث اللقاء وكتب «كافري» تفاصيله فى تقرير إلى واشنطن جاء فيه:

لقد أبلغنى الوزير (مرتضى المراغي) أنه إذا لم يتوصل «نجيب الهلالي» (باشا) إلى حل يُرضيه مع الطرف البريطانى، فسوف يكون عليه أن يستقيل. وفى هذه الحالة فإن «المراغي» سوف يتسلم زمام الأمور بنفسه «Will take over himself» وسوف يشكل حكومة إدارية قوية، ويعلن إلغاء الانتخابات العامة المقررة فى أكتوبر، ثم يعطى للطرف البريطانى فترة سماح مدتها ما بين شهرين أو ثلاثة شهور (مهلة صيف كافية) ـ للتقدم باقتراحات مقبولة تغطى الفجوة بين البلدين، وإذا لم تستجب الحكومة البريطانية فسوف يكون عليها أن تواجه ثورة يقوم بها الشعب المصري».

وكان تعليق السفير الأمريكى فى ختام رسالته إلى واشنطن: «إن ذلك الاقتراح الذى يجيء بالمراغى (باشا) ديكتاتورا على رئاسة الوزراء واحدا من اقتراحات «الفرصة الأخيرة» الطائرة فى الهواء لمواجهة الأزمة فى مصر!».

وسمع السفير البريطانى فى القاهرة بالمقابلات التى كانت تجرى بين أطراف أمريكية (مخابرات ودبلوماسيين) وبين «مرتضى المراغي»، وأحس أن واجبه يفرض عليه (بدوره) أن يسعى ويقابل وزير الداخلية، وأمكن ترتيب المقابلة فعلا، وكتب السير «رالف ستيفنسون» إلى وزير الخارجية البريطانى «أنتونى إيدن» تقريرا (871/ 155/ 1018) يقول فيه:

«قال لى «المراغي» إنه لا يتوقع أن «نجيب الهلالي» (باشا) سوف يظل فى رئاسة الوزارة طويلا، وعلى وجه اليقين فإن عمر وزارته لن يتعدى شهر أكتوبر القادم، وعندما تذهب وزارته فسوف تحل محلها «وزارة كفاءات» تحظى بتأييد بعض الشخصيات السياسية. ومن المستحسن أن تقوم هذه الوزارة بعملية باهرة Spectacular مثل توزيع بعض أراضى الدولة على نحو ما حدث فى إيران أخيرا، كذلك يجب أن تتوافق هذه العملية مع إصلاح إدارى محسوس».

قال لى المراغي إنه كوزير للحربية والبحرية يعتبر نفسه مسئولا عن الروح المعنوية للقوات المسلحة، وهو يشعر أن هذه القوات فى حالة إحباط لأنها تعانى نقصا شديدا فى المعدات والأسلحة، وذلك يجعل الضباط يتكلمون، ويتجه كلامهم بالضرورة إلى أحوال السياسة.

وقلت للمراغى: «إننى سوف أفضى له بسر يعلمه الملك «فاروق» ويعلمه رئيس الديوان «حافظ عفيفي»،
وهنا أطلعته ـ على وعد منه بالكتمان ـ بذلك العرض الذى أقره (رئيس هيئة أركان الحرب الإمبراطورية) اللورد «ألكسندر» (البرقية رقم 6، 8 ـ الفقرة 6)، والذى أبدي فيه الاستعداد لتقديم بعض الأسلحة إلى الجيش المصري».

قلت للمراغى: «إن رئيس الوزراء نجيب الهلالي لا يعرف بالعرض».

تحمس «المراغي» وقال لى: «إن تقديم بعض السلاح ـ حتى ولو كان فى حجم رمزى ـ إلى الجيش المصرى يمكن أن يكون له الآن مفعول السحر».

أضاف السفير البريطانى فى برقيته ملاحظة اعتراضية قال فيها:
«من المهم أن نلاحظ أن هذه اللهفة فى الحصول على أى سلاح معناها أن المحاولات المصرية التى قام بها المصريون لشراء أسلحة أوربا قد باءت بالفشل، رغم الآمال التى علقوها عليها، والجهود التى بذلوها فى هذا السبيل».
ثم عاد «السير رالف ستيفنسون» إلى سياق تقريره

قال لى «المراغي»: «إنه واثق من إمكانية إعادة الاستقرار إلى مصر»،
وأضاف أنه فوجئ بحجم الأموال المصرية التى خرجت من السوق المصرية بعد أحداث 26 يناير، ورأيه أن الحزم هو الأسلوب الوحيد الذى تعود به الثقة، وهنا انتهزت الفرصة وسألته عن التعويضات المستحقة للرعايا البريطانيين نتيجة خسائرهم فى 26 يناير».
وقال لى الوزير إننى أستطيع الاطمئنان إلى دفع هذه التعويضات
وسألته عن التحقيق فى حريق القاهرة ونتائجه ،
وكان رده أن (أحمد حسين ) سوف يُعدَم شنقا، وأنه هدد كبار معاونيه فى وزارة الداخلية بأنهم إذا لم يقدموا له الأدلة المطلوبة لإدانة (أحمد حسين) فسوف يضعهم فى القفص معه، وساعتها ظهرت الأدلة "
كذا قال لى!

وفى برقية لاحقة أضاف السفير «أنه يبدو الآن أن شهور الصيف سوف تكون مليئة بالمناورات السياسية، وأن شيئا لن يتم حسمه قبل شهر أكتوبر».

وتظهر البرقية (156/ 1018) فى ملفات الخارجية البريطانية وعليها تأشيرة بخط يد «روجر آلن» (وكيل الوزارة المختص بشئون الشرق الأوسط) يقول فيها: «يظهر أن شهور الحر الشديد فى مصر تغرى كل الناس على التزام الظل أو الهرب إلى جو البحر».

ومعنى ذلك أن لندن أصبحت على اعتقاد بأن الملك سوف يستبقى ولو على مضض وزارة «نجيب الهلالي»، وفى الغالب أنه بهذا الاعتقاد صرحت وزارة الخارجية البريطانية لسفيرها فى القاهرة أن يقوم بإجازته السنوية فى اسكتلندا ابتداءً من أول شهر يوليو.

وكان ذلك أيضا ما أغرى الملحق العسكرى البريطانى البريجادير «جولبرن» ـ بعد التشاور مع الجانب السياسى فى سفارة القاهرة ـ أن يرد بالنفى على تساؤل طرحته القيادة العسكرية البريطانية فى «فايد».

فقد حدث أن الجنرال «أرسكين» والذى كان على علم بما يجرى فى القاهرة من مناورات سياسية بعث يسأل:
«هل يقتضى الضعف الظاهر فى الوضع السياسى المصرى وضع خطة «روديو» (قيام الجيش البريطانى باحتلال دلتا النيل والقاهرة) ـ وهل هناك احتمالات لتجدد الاضطرابات فى العاصمة المصرية على نحو يماثل ما جرى فى 26 يناير 1952؟».

وكان رد البريجادير «جولبرن» ـ وبموافقة من السفير السير «رالف ستيفنسون» قوله:

«ليس هناك من وجهة نظرنا ما يقتضى أى درجة من درجات رفع الاستعداد هنا فى القاهرة، ونحن نرى أن رفع درجة الاستعداد قد يؤدى إلى رد فعل عكسى لأنه يثير شك السلطات المصرية التى يبذل ممثلوها وموظفوها فى المحافظات كل جهدهم لضبط الأمن فى المنطقة بالتعاون معنا. وإذا بدا أننا نستعد لعمل عسكرى، فإن ذلك قد يؤدى إلى ترددهم فى أداء أعمالهم. ومما نراه هنا فإن تكرار ما وقع فى القاهرة يوم 26 يناير الأخير ليس احتمالا مرجحا فى الظروف الراهنة، ومن المستحسن أن نترك المسئولين عن الجيش المصرى فى القصر وفى الوزارة يرسخون علاقاتهم مع الجيش ويستأصلون عناصر الشغب فيه دون تدخل منا فى هذه العملية.

والأرجح أن الموعد المحتمل الذى يصح لنا فيه مراجعة إجراءاتنا هى ما بعد فصل الصيف الذى يسترخى فيه كل شيء فى القاهرة!».


كان الأمير «محمد علي» (أكبر أمراء أسرة «محمد علي» سنا ـ وولى العهد إلى أسابيع قليلة، قبل أن ينقل الملك «فاروق» ولاية العهد منه إلى طفله الوليد «أحمد فؤاد») ـ على وشك أن يقوم بإجازة الصيف، وكانت لندن محطته الأولى، ورأى السير «رالف ستيفنسون» من باب الأدب أن يودعه بزيارة شخصية، ويسمع منه بالمناسبة آخر ما لديه عن الأوضاع المصرية.

وبالفعل قام السير «رالف ستيفنسون» بزيارة إلى قصر المنيل، وقضى مع الأمير أكثر من ساعة، ثم كتب مذكرة بعنوان «تسجيل حديث» (524/ 35/ 1011):

«ذهبت لزيارة الأمير «محمد علي» قبل ســـفره إلى لنــدن، وقد وجدته فى حالة زئير Roaring، وكان لاذعا فى تقييمه للأحوال فى مصر. وذكر لى صراحة «أنه قابل «نجيب الهلالي» ونصحه أن يتمهل فى المفاوضات معنا ولا يكثف ضغوطه فى طلب جلاء القوات البريطانية من مصر»، والأولى من ذلك أن يركز على قضية زيادة الفساد فى البلاد مع تدنى الجهاز الإدارى للدولة.

وقال لى الأمير «إنه يعرف على وجه اليقين أن الجيش ممزق بانقسامات شديدة داخله، وأن هناك خطر ثورة من جراء أعمال التحريض التى قام بها الوفد فى الشهور الستة الأخيرة».

أضاف الأمير «إنه نصح رئيس الوزراء باستعادة قدر معقول من التماسك فى البلد قبل أن يلح على جلاء القوات البريطانية من مصر».

حاولت أن أستوضح الأمير عن رد فعل رئيس الوزراء على ما قاله له، ولكنه قفز على سؤالى، وواصل حديثه بـ: «إنه سوف يخبرنى شريطة أن أقسم له على الكتمان، فقد أفضى إليه وزير الداخلية «مرتضى المراغي» بأنه أبلغ الملك «فاروق» بكل وضوح أن الثورة سوف تندلع فى مصر فى ظرف شهور إذا حصل جلاء القوات البريطانية عن الأراضى المصرية».

وحاولت مرة أخرى أن أسأل الأمير عن رأى وزير الداخلية فى رد فعل الملك «فاروق» إزاء ما سمعه منه، وما إذا كان سوف يعدل من سياساته على هذا الأساس؟

ورد الأمير «بأن «مرتضى المراغي» كان مهتما بأن يصل تحذيره إلى الملك».


يختم سير «رالف ستيفنسون» مذكرته «تسجيل حديث» بقوله:
«بقية كلام الأمير تركزت كلها حول كراهيته التقليدية للملك «فاروق»، وأطرف تعليق سمعته منه ـ قوله:

«إن «فاروق» نزع منى لقب ولى العهد، وأنا سعيد أنه لن يحصل على لقب «ملك السـودان» (بفكـرة وضع السودان تحت التاج المصري) ـ لقد حُرم من اللقب الذى كان يحلم به ـ كما حُرمت من اللقب الذى كان عندى!».


وهكذا فإن الملك «فاروق» كانت لديه مطالب متعارضة:

يرى أن وزارة «نجيب الهلالي» «غرقت فى الورق» (على حد قوله) ـ ويفكر جديا فى تغييـرها، لكنه لا يعرف كيف يغير؟ ـ ولا بمن؟ ـ ولا متى؟ ـ وقبل الصيف أو بعده، وخصوصا أن أمامه مشـروع إجــازة فى أوربا يحلم بها. والمدهش أن حـلم الملك بإجازة فى أوربا قاده دون أن يتنبه إلى منزلق وقع به فى حفرة لم يســتطع أن يخرج منها، حتى غادر مصر إلى أوربا ملكا مخلوعا عن عرشه، وليس ملكا فى إجازة صيف!

لم يكن الملك متأكدا من الطريقة التى ســــــوف تتصــرف بها وزارة «الهلالي» (باشا) فى ملـفــــــات التحقيقـــات المتشـــعبة، والتــــى اقتــربت أكثــر من الــــلازم من رجـــاله الموثوقين وبالــــذات: «كـــريم ثـــابت» و«إليــاس أنـــــدراوس».

ثم أضيف إلى تلك الهموم أن محـــاولة جـــرت لاغتيــــــال «حســــين ســـرى عامــر» (قائد سلاح الحدود رجل القصر فى الجيش ومرشحه الذى تضافر شباب الضباط عـلى إســـقاطه فــى انتخـــابات مجلس إدارة نــادى الضبــــــاط)


“5”أغرب من الخيال!

كانت قصة طرد وزارة «نجيب الهلالي» (باشا) أغرب من الخيال، ولذلك فقد يكون من الأنسب نقل تفاصيلها الكاملة من الوثائق البريطانية. (ومع أن الوثائق الأمريكية والفرنسية تعرضت للقصة وروت الكثير عن وقائعها، فإن الوثائق البريطانية تبدو أكمل وأدق لسبب واضح، وهو أن مكتب وزير الخارجية البريطانية ألح فى طلب كل المعلومات التى يمكن جمعها حول الموضوع).

والملف البريطانى بشأن قصة إقالة «الهلالي» متضخم، تتكدس داخله مجموعة أوراق أولها برقية عاجلة (أولوية ـ سري) من المكتب الخاص لوزير الخارجية «أنتونى إيدن» إلى السفير البريطانى فى القاهرة:

«بالإشارة لبرقيتكم رقم 988، يطلب المكتب الخاص لوزير الخارجية ملفا كاملا بكل الوقائع السياسية والمالية التى أدت إلى استقالة وزارة «الهلالي».

ويواصل مكتب وزير الخارجية طلبه فيقول:

«نحن نتصور أنه فى مرحلة من المراحل لابد من نشر شيء عن الوقائع، لأن ما نسمعه عنها لا يصح أن يظل مكتوما. نرجوكم أن تحددوا فى تقريركم ما الذى ترونه غير قابل للنشر الآن، وأيضا مقترحاتكم بشأن حماية المصادر».
====================

=======================



وهكذا توجه وكيل الديوان فى الساعة السابعة مساءً إلى بيت «بهى الدين بركات» (باشا) على طرف كوبرى عباس فى الجيزة، يعرض عليه رئاسة الوزارة. وفيما يذكره «حسن يوسف» (باشا) أن «بهى الدين بركات» لم يمانع كثيرا وذلك أدهشه (لكن «حافظ عفيفي» (باشا) كان له تفسير مؤداه «أن «بهى الدين بركات» كان رغم تباعده يشعر أنه يستحق دورا فى السياسة المصرية لم يتح له»، وقد انتظر هذا الدور طويلا ووصل إلى سن الرابعة والستين، دون أن يصله استدعاء، ومع تقدم السن فإن «بهى الدين» (باشا) زاد شعوره بضياع الفرصة، وتبدت تصرفاته، مثل «عانس سياسى متلهف»).

وكان المهم أن «بهى الدين بركات» (باشا) قَبِلَ التكليف، والأهم أنه تفهم دواعى العجلة فى سرعة التشكيل، وكانت الأسماء المقبولة تكاد تطرح نفسها، وبالفعل فإنه قبل الساعة الحادية عشرة والنصف ـ وبعد أن تدخلت زوجته «هدية هانم» تطلب منه أن يستريح لأن أمامه فى الغد يوما طويلا ـ كان رئيس الوزراء المكلف قد اتصل فعلا بعدد من المرشحين يستطلع استعدادهم «قبل أن يعرض قائمته على القصر».

وأوى «بهى الدين بركات» (باشا) إلى فراشه.

واستيقظ فى الساعة السادسة والنصف، وإذا جرائد الصباح تطالعه بخبر وصلها بعد منتصف الليل بأن «حسين سري» (باشا) كُلِفَ بتشكيل وزارة جديدة، وأن أعضاء هذه الوزارة سوف يقسمون اليمين الدستورية أمام الملك بعد ظهر هذا اليوم!

(ومما يستحق الملاحظة أن «مايكل كرسويل» الوزير المفوض فى السفارة البريطانية ذهب بعدها بأيام ليقابل «بهى الدين بركات» (باشا) ـ ثم نقل عنه فى تقرير إلى لندن (24/ 70/ 1011) قولـه: «إن أحدا لم يعد يجادل فى أن الملك «فاروق» هو أصل المتاعب فى مصر، وأن مصر لن ينصلح حالها طالما الملك مستمر فى سلوكه المعروف ـ مُحاطا بهذه الحاشية التى تحيط به طول الوقت وأولهم «كريم ثابت»، وهو لا يرى وسيلة للخلاص»، ثم يتواصل الحديث بين القائم بالأعمال البريطانى وبين «بهى الدين بركات» (باشا)،
وينقل «كرسويل» فى تقريره عن «بركات» (باشا) قوله: «إنه مع الأسـف الشديد على استعداد لأن يوافق مع كثيرين يرون أن بقاء الجيـش البريطانى فى قاعدة قنــاة الســويس يشــكل الضمانة النهائية Ultimate Guarantee للاستقرار فى مصر، وهو أكثرها مدعاة للأمان!»).

رأى «أحمد عبود» (باشا) وبتأثير قلقه من ضغوط الوزارة عليه، أن يُفاتِح القصر باستعداده لدفع مليون فرنك سويسرى (ما يساوى وقتها مليون جنيه) ـ إذا خرج «نجيب الهلالي» من الوزارة، وأفضى بهذا العرض لصديقه «إلياس أندراوس» (باشا) بعــد أن بلغــه «أن الملك «فـــاروق» طلب مـــن «إليـاس أنـــدراوس» (مســــــتشـــاره للشــــئون الماليــــــــــة) أن يوفــــر له مبلغ مليـون فـــــرنك ســـويسرى لتغطية مصاريف إجازته المُقبِلة فى أوربـــــــا

”6”«فاروق لم يكن عبيطا»!

كان «كريم ثابت» هو الذى أبلغ جريدة الأخبار بأن جلالة الملك وجه التكليف برئاسة الوزارة الجديدة إلى «حسين سري» (باشا) ـ وقد حرص على أن يكون ذلك فى آخر فرصة تستطيع فيها صحف الصباح أن تلحق بالخبر. وكان «كريم ثابت» أيضا هو الذى اتصل برئيس الديوان وبوكيل الديوان بعد منتصف الليل يخطرهما بالقرار الملكى «الأخير» فى شأن «التغيير»!

وكانت الأجواء فى القصر ذلك الصباح ثقيلة وكئيبة (ولم يشأ «حسن يوسف» (باشا) فى شهادته أن يدخل فى تفاصيل ما جرى فى القصر ذلك الصباح، وسواء كان ذلك عن شعور منه بالحرج لموقفه وموقف رئيس الديوان يومها، أو لأنه لم تكن فى علمه تفاصيل كافية) ـ ومع ذلك فإن ما ظهر من شكل الحوادث كانت فيه الكفاية:

1 ـ فقد ظهر أن الملك ـ هكذا قال ـ اقتنع فى الليل بأن «بهى الدين بركات» ليس «رجل الموقف»، وأن «حسين سري» هو الأقدر على ضبط الأمور، خصوصا إزاء الوفد ومحاولاته للتهييج.

2 ـ أن «حسين سري» تعهد لكريم ثابت بأنه لن يسمح للوفديين بأن يستغلوا الأزمة بأى شكل من الأشكال، ولن يسمح بأن تتحول وزارته (كما يظن بعضهم فى القصر وخارجه أيضا) ـ إلى كوبرى يعود عليه الوفد إلى الحكم «بصفقة من نوع ما».

3 ـ أن «حسين سري» سوف يمسك الأمن فى البلد بيد من حديد، وأنه فى الوقت المناسب سوف يعلن تأجيل موعد الانتخابات (المقررة فى أكتوبر القادم) إلى أجل بعيد ـ ليس قبل يناير 1953.

وأن ذلك يوفر لكل الأطراف صيفا هادئا تستريح فيه الأعصاب وتتبلور المواقف ويصفو التفكير.

وفيما يتبين من ثنايا الوقائع أنه فى لحظة من اللحظات وصل الشعور بالإحراج لدى رئيس الديوان الملكى ووكيل الديوان ـ حدا دعاهما إلى وضع استقالتهما تحت تصرف الملك الذى بدا من تغيير قراره فى شأن رئاسة الوزارة «أنه فقد ثقته فيهما» ـ ولكن الملك رفض استقالة رئيس الديوان ووكيله، وأصر على رفضه، وعندما تصور أنه مدين لهما بإيضاح عن سبب تغيير رأيه كان ملخص ما قاله لهما:

«إن مرشحه الأصلى لرئاسة الوزارة كان «حسين سري» لأنه يقدر على إسكات الجميع، لكنه قَبِلَ اقتراح وزارة يرأسها «بهى الدين بركات» لأنه خشى ـ بعد كل ما انتشر فى البلد من إشاعات ـ أن يتصور أحد أن مجيء «حسين سري» يؤكد «الإشاعة» عن دور «أحمد عبود» فى إسقاط وزارة «الهلالي». وبعد أن عرف الناس أن التكليف وجه أولا إلى «بهى الدين بركات»، واتضح أن الموقف أكبر منه، فإن عودة التكليف إلى «حسين سري» تبدو خيارا ثانيا «اضطر إليه القصر» بعد أن عجز مرشح «الاختيار الأول» ـ وكذلك يتحقق نفى الإشاعة من أولها لآخرها».

وطبقا لرواية «حسن يوسف» فإنه سمع بهذا التفسير من الملك، كما سمعه رئيس الديوان، ولم يقتنع أيهما فى أعماقه بأن ذلك المنطق يستقيم، «ولكنه كان الغطاء الذى أراد به الملك أن يستر قراره».

وقد تجاوز الرجلان خلل المنطق «الملكي» عندما فوجئا بما هو أسوأ، ذلك أن الملك طلب من «حسين سري» (باشا) تعيين كلا من: ـ «كريم ثابت» وزيرا للدولةـ و«إلياس أندراوس» وزيرا للمالية والاقتصاد - و«حسين سرى عامر» وزيرا للحربية والبحرية!

(كان تعليق «حسن يوسف» (فى شهادته) :« إن ذلك لو تم لاستوجب ما هو أكثر من الاستقالة».
وحين سألته عن هذا الذى هو أكثر من الاستقالة؟؟ قال الرجل وصوته فى تسجيل اللقاء جلى: «الهاراكيري على الطريقة اليابانية ،ولو أن الإسلام يحرم الانتحار».



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pearls.almountadaalarabi.com
الأستاذ
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3404
تاريخ التسجيل : 25/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر   الأربعاء ديسمبر 29, 2010 9:32 pm

وأبدى رئيس الديوان ووكيل الديوان اعتراضهما، ولكنهما وجها الاعتراض إلى (حسين سري)، رغم أن «حسين سري» نفسه أكد «لحافظ عفيفي» و«حسن يوسف» أن الترشيحات من «جلالة الملك»، وأنه هو نفسـه لا يوافق عليها، لأنه بالنسبة «لكريم ثابت» و«إلياس أندراوس» ـ فإن ترشيحهما سوف يفتح الباب للقيل والقال بغير داعٍ.

وأما بالنسبة «لحسين سرى عامر» فهو شديد القلق مما يجرى فى أوساط الجيش ومما يبلغه خبره من ابن شقيق له هو القائمقام «إسماعيل سري» من سلاح الفرسان.

وفى رأى «سري» (باشا) أن كل المصائب يمكن تداركها، ولكن الجيش هــو الكارثة التى لا حيلة له فيها، ثم إن وضع «حسين سرى عامر» بالذات هو بؤرة الاستفزاز فى القوات المسلحة، وهذا الضابط منذ سقوطه فى انتخابات رئاسة نادى الضباط (فى ديسمبر 1951) ـ وحتى محاولة اغتياله الفاشلة فى مايو 1952 ـ أصبح اسمه فى حد ذاته ـ بالحق أو بالباطل! ـ هو الشال الأحمر الذى يلوح به مصارع الثيران أمام الثور الهائج!

والذى حدث بعد ذلك أن الملك أصر على تعيين «كريم ثابت» وزيرا للدولة، وأجل فى الوقت الحالى طلبه بتعيين «إلياس أندراوس» وزيرا للمالية والاقتصاد (حتى لا يكثر القيل والقال).

وأما بالنسبة لمنصب وزير الحربية والبحرية، فإن «حسين سري» (باشا) بدأ مع الملك فاقترح اسم اللواء «محمد نجيب»، وفوجئ برفض قاطع من الملك، وفى المقابل فإن «حسين سري» توصل إلى إقناع الملك بأن يتمهل عليه ولا يصر هذه اللحظة على تعيين «حسين سرى عامر» وزيرا للحربية والبحرية. ورغم أن «سري» (باشا) حاول إقناع الملك بأن صهره «محمد هاشم» (باشا) التقى باللواء «نجيب»، ووجد أن الرجل إلى جانب سمعته الطيبة بين ضبـاط الجيش ـ يكن إخلاصا لاشك فيه للعرش وللملك، إلا أن «فاروق» ظل على رأيه كما حدث عندما عرض عليه «الهلالي» (باشا) اسم اللواء «نجيب» قبل ثلاثة شهور.

وفى وسط الزحام رأى «مرتضى المراغي» وقد كانت فى عهـدته الداخلية والحربية ـ أنه لا يجد لنفسه مكانا مناسبا فى الوزارة الجديدة.

*من ناحية لأن رئيس الوزراء لم يكن مستعدا لأن يعرض عليه وزارة الداخلية ـ يريد فيها صهره وموضع ثقته «محمد هاشم» (باشا).

*ومن ناحية أخرى لأن الملك يريد «حسين سرى عامر» وزيرا للحربية، وقد قَبِلَ بحل وسط مؤقت يقضى بأن تكون تلك الوزارة فى عهدة رئيس الوزراء حتى يتم التوصل إلى قرار.

..................

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pearls.almountadaalarabi.com
الأستاذ
Admin
avatar

عدد المساهمات : 3404
تاريخ التسجيل : 25/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر   الخميس ديسمبر 30, 2010 12:55 am

[ومن المهم أن أضيف هنا أننى سمعت بعض التفاصيل من «حسين سري» (باشا) نفسه، وكان ذلك أثناء لقائنا فى بيته فى شارع «شجرة الدر» (وهو الآن مقر لسفارة تونس)، وهو لقاء جرى بعد عودتى معه (ونحن جيران فى شارع شجرة الدر بالزمالك) من حفل استقبال أُقيم بمناسبة أول زيارة قام بها الملك حسين (ملك الأردن السابق) إلى مصر أول مرة بعد ثورة يوليو.

وقتها (ديسمبر 1953) كانت الحوادث قريبة، وكانت المشاهد حية فى ذاكرة من عاشوها، وقال «حسين سري» (وسجلت كلامه بعدها) «أنه فوجئ برد فعل الملك عندما اقترح عليه اسم اللواء «محمد نجيب» وزيرا للحربية والبحرية فى وزارته. وبرغم أنه لم يقابله بنفسه إلا أنه اعتمد على حكم صهره (زوج ابنته) «محمد هاشم» عليه، وأن «هاشم» قابله بنفسه أكثر من ساعتين»!

كان رد فعل الملك الذى استغربه «سري» (باشا) هو قوله :"آسف أن أقول لك يا باشا أنكم لا تعرفون شيئا عما يجرى فى البلد. رئيس الوزراء الذى سبقك (يقصد «نجيب الهلالي«) جاءنى أيضا ومعه اسم «محمد نجيب» مرشحا لوزارة الحربية، ولم يكن يعرفه مثلك».

واستطرد الملك (رواية سري باشا)

«أنا أعرف ما يجرى فى البلد، بعضكم يظن أننى لا أتابع، وهذا غير صحيح ـ أريدك أن تعرف أننى «عارف وفاهم».

خذ علما بأن كل ما نراه يحدث فى نادى الضباط ليس إلا عملية خداع ـ هذا استعراض جانبى.

وقد استوقفت «سري» (باشا) أسأله أن يدقق فى أن الملك وصف ما يجرى فى نادى الضباط بأنه «استعراض جانبي»، ورد «سري» (باشا) على طريقته التى تظهر الغضب إذا لم يعجبه شيء فتخرج ألفاظه وكأنها نبرة تهديد ـ قائلا:

«إننى أذكر تماما، بل أقول لك أنه فى تلك اللحظة عبر عن رأيه بالإنجليزية مستعملا وصف Side Show".

استطرد «حسين سري»:

«إن «فاروق» بدا لى واثقا من أنه يعرف أكثر مما صرح به، وهو لم يخف على وإن كان لم يحدد، فقد قال: «هناك من يريد إقناعنا جميعا بأن نركز الاهتمام على نادى الضباط، وقلة أدب مجلس إدارته، وعلى «محمد نجيب»، وأين يذهب؟ ومن أين يجيء؟ وماذا يقول؟، وهذه عملية خداع. هناك جماعة (ضحك «سري» (باشا) مقاطعا نفسه وهو يستعيد تلك التفاصيل من ذاكرته تلك الليلة من ديسمبر 1953)، واستدرك قائلا «فاروق لم يستعمل وصف جماعة، إنما أخفف الوصف وأنا أحكى لك القصة ـ «فاروق» استخدم وصف «عصابة»! وكان قوله «هناك عصابة» تحاول إقناعنا أن نركز جهدنا على نادى الضباط و«نجيب» ـ لكى تستغفلنا فى لحظة وتنفذ مؤامراتها».

وأكمل الملك كلامه:

«ولكن عليكم أن تطمئنوا جميعا لأننى الآن أعرف وسوف أتصرف».

قال الملك بعدها «إنه لن يقبل بترشيح نجيب :
ـ أولا لأنه لا يثق فيه.
ـ وثانيا لأنه يريد أن يترك العصابة التى تحرك استعراض نادى الضباط (الجانبي) ـ تتصور أننا لا نزال نهتم ونجرى وراء ما يقولونه ويفعلونه فى النادى.

واستدرك الملك يقول لسرى (باشا) (طبقا لروايته):
«على فكرة يا باشا لقد أجلت السفر إلى أوربا، حتى نعرف من الذى يحرك الفوضى فى الخفاء، ثم نضرب ضربتنا».

علق «سري» (باشا) أثناء حديثنا فى ديسمبر 1953، وهو مازال يحكى ما حدث قبلها بسنة ونصف السنة قائلا:

«الصحف كلها الآن (سنة 1953) تحاول أن تصف «فاروق» بأنه كان رجلا «أبله» ـ هذا غير صحيح. «فاروق» لم يكن «عبيطا» ـ «فاروق» كان ذكيا جدا، لكن المشكلة أن ذكاءه انصرف إلى «الشر»!.]

ومع أوائل يوليو 1952، كانت الأمور تبدو هادئة على السطح فى القاهرة، فالوزارة الجديدة تشكلت، وبدأت عملها بعد أن توصل رئيسها «حسين سري» (باشا) مع الملك «فاروق» إلى تأجيل اصطدام محقق بلغمين خطيرين:

ـ لغم تعيين «إلياس أندراوس» وزيرا للمالية.

ـ ولغم تعيين «حسين سرى عامر» وزيرا للحربية.

إلى جانب أن رئيس الوزراء الجديد التقى بالوزير المفوض البريطانى «مايكل كرسويل»، لأن السفير السير «رالف ستيفنسون» الذى توقع صيفا حارا ورطبا ـ وليس أكثر ـ قرر البدء فى إجازته التى استأذن فيها وسافر فعلا إلى اسكتلندا، وأكد له:

«إن الأحكام العُرفية باقية، وأن الانتخابات البرلمانية مؤجلة إلى أجل غير مسمى وليس إلى أكتوبر القادم كما كان مفهوما».

وبالإضافة إلى ذلك فإن «حسين سري» (باشا) أطلق سراح «فؤاد سراج الدين» بعد أن عرف أن «النحاس» (باشا) وقرينته سوف يسافران إلى «اكس ليبان» (فى فرنسا للاستشفاء) ـ وأن «فؤاد سراج الدين» إذا خرج من المعتقل سوف يذهب معهما (وكان ذلك تأكيد «أحمد عبود» (باشا) لرئيس الوزراء)!

وبالتالى فإنه يمكن انتظار صيف هادئ.
لكن عاصفة هبت فجأة فى لندن، ذلك أن جريدة «التيمس» البريطانية وغيرها من صحف لندن (وبينها الديلى إكسبريس) نشرت تفاصيل عن صفقة إسقاط وزارة «الهلالي» بوساطة «كريم ثابت» و«إلياس أندراوس» ـ مقابل مليون جنيه من «أحمد عبود» (باشا).

ويظهر أن رئيس الوزراء البريطانى «ونستون تشرشل» لم يكن يعرف بتفاصيل ما جرى فى مصر، حتى قرأ عنه فى الصحف، وهكذا أملى رسالة من المقر الرسمى لرئيس الوزراء البريطانى إلى «أنتونى إيدن» وزير الخارجية يسأله «إذا كان ما قرأ صحيحا؟ ـ وإذا كان صحيحا فهل فقدت بريطانيا كل نفوذ «أخلاقي» لها فى مصر؟!» (مذكرة «تشرشل» محفوظة ضمن مجموعة أوراقه الخاصة التى باعتها أسرته إلى الحكومة البريطانية بمبلغ ثمانية ملايين جنيه استرلينى، وهى مودعة الآن فى قصر «هامبتون كورث»).

وبهذه التوصية من رئيس الوزراء البريطانى، بعث «إيدن» إلى القائم بالأعمال البريطانى فى القاهرة يطلب إليه «أن يعمل كل ما فى وسعه لعرقلة قيام حكومة بهذا الأسلوب فى القاهرة، حتى إذا اضطر إلى الاتصال بكافة المرشحين لخلافة «نجيب الهلالي» والإلحاح عليهم بأن لا يقبلوا أى تكليف من الملك، وأنه عليه أن ينسق تصرفه فى هذا الشأن مع السفير الأمريكى «جيفرسون كافري»!

ورد «كرسويل» بسرعة يقول: «لقد أطلعت زميلى سفير الولايات المتحدة هنا على رسالتكم، ورأيه أن تدخلنا فى هذا الأمر فى هذه الساعة المتأخرة، سوف يبدو اقتحاما للشأن المصرى فى مسألة لا تتصل بمصالحنا الحيوية.

ومن ناحية أخرى فإنه حين تدبرنا هذا الأمر معا، كان الوقت قد فات لأن «حسين سري» قَبِلَ بالفعل تشكيل وزارة جديدة.

ثم يعود «كرسويل» ويكتب لوزير الخارجية البريطانية تقريرا وافيا (178/ 1018/ 993) يقول فيه:

قابلت رئيس الديوان «حافظ عفيفي» (باشا) وكان عائدا إلى مكتبه لتوه من مراسم أداء الوزارة الجديدة لليمين الدستورية أمام الملك، وأبلغته أن حكومة جلالة الملك تشعر بالصدمة إزاء المعلومات التى بلغتها خلال الأيام القليلة الماضية عن أسباب تغيير وزارة «الهلالي» (باشا)، وأن السفير الأمريكى (ممثلا لحكومته) يشعر بنفس الشعور. ونحن نرى أن مصلحة مصر لا تتفق مع هذا المستوى من التصرفات التى تؤدى إلى استئصال كل العناصر النزيهة فى الحياة السياسية المصرية.

وكنا نريد إبداء رأينا فى هذا الأمر بطريقة أوضح، لكن الوقت كان متأخرا لعمل شيء، وأننا نخشى أن مثل تلك الأوضاع تؤثر على نفوذ ـ وحتى مصداقية ـ رئيس الديوان نفسه، خصوصا بعد تعيين «كريم ثابت» وزير دولة لشئون القصر، وهو إلغاء عملى لدور رئيس الديوان. وقال لى «حافظ عفيفي» (باشا):

«إنه مقدر لهذه الرسالة التى أبلغتها لى، وأنه لا يريد أن يتصرف بطريقة فجة وتحت تأثير مشاعر الصدمة، لكنه فيما بينه وبين نفسه قرر أن يقدم استقالة نهائية خلال عدة أيام. وفى كل الأحوال فهو غير راغب فى البقاء لحظة فى منصبه، مادام يجد أنه غير قادر على عمل شيء. وقال «حافظ عفيفي»: «إنه لم يُستَشَر فيما حدث وأنه لم يعلم به إلا بعد نشره».

وقال لى أن نصيحته بعد أن قرر الملك تغيير وزارة «الهلالي» كانت بتوجيه التكليف إلى رجل مثل «بهى الدين بركات»، وأنه قام بالفعل بإبلاغ «بركات» بعد أن حصل على إشارة الموافقة من الملك، لكنه فوجئ بأن الملك غَيَّر رأيه.

ورجانى «حافظ عفيفي» أن أحاول مع زميلى الأمريكى إبقاء رأينا فى التغيير الوزارى مكتوما، وإلا فإن الملك سوف يستغله لصالحه، ويقوم بتسريب الخبر (عن طريق «كريم ثابت» إلى الصحف الموالية للقصر)، ويكون فى ذلك إحراجا لكل الأطراف.

قال لى «حافظ عفيفي» أنه بعد تردد، قَبِلَ أن يظل فى مكانه لأيام يغطى بها موقف الملك، وهو موقف لا يستطيع هو نفسه أن يفهمه، فقبل عشرة أيام فقط سمع الملك يقول عن «عبود» (باشا) إنه أفَّاق، وأن مكانه الصحيح قفص الاتهام أمام محكمة، ولكن الصورة تغيرت فجأة، ويظهر أن «عبود» (باشا) ينتظر غنائم جديدة، بالإضافة إلى إسقاط ضرائبه القديمة، وفيما سمع فإن «عبود (باشا) يريد أن يحصل على عقد مشروع كهربة خزان أسوان بحوالى 70 مليون جنيه، وهذه صفقة لا يستطيع «عبود» أن يتركها لغيره!».

كان الملك «فاروق» يريد أن يرتب بعض الأمور، وقد أراد أن يضبط حالة نادى ضباط الجيش، وذلك بإدخال «حسين سرى عامر» قائد سلاح الحدود إلى عضوية مجلس إدارته، والذريعة ظاهـرة وهى أن مجلس إدارة النادى لا يحق له أن يعوق تمثيل سلاح الحدود فى مجلس إدارة النادى «بـ: سخافة»، أن هذا السلاح أقرب إلى البوليس منه إلى القوات المسلحة، ويترتب على ذلك ضرورة أن يكون للسلاح ممثل فى مجلس الإدارة، وحتى يحين موعد تحديد انتخابات المجلس فى دورة قادمة، فإن قائد سلاح الحدود اللواء «حسين سرى عامر» يستطيع تمثيل سلاحه فى مجلس إدارة النادى. وتمهيدا لبحث الطلب الملكى عقد مجـلس إدارة نادى ضباط الجيش اجتماعا يوم 15 يولية، ولم تجيء النتيجة موافقة لطلب الملك.
-----------

ويوم 20 يوليو 1952 كتب القائم بالأعمال البريطانى إلى لندن بأن الاجتماع الأخير لمجلس إدارة نادى ضباط الجيش شهد مظاهر احتجاج وصخب ضد الطلب الملكى الخاص بضم اللواء (حسين سرى عامر) إلى أعضاء المجلس.
وأثناء الاجتماع والصخب ترددت عبارات اعتبرت ماسة بالملك ذاته، وغضب القصر الملكى، وصدر قرار بحل مجلس إدارة النادى وإجراء انتخابات فى موعد يحدد لاحقا ـ !
وحاول رئيس الوزراء «حسين سري» (باشا) تهدئة الموقف وذلك لاختصاصه كقائم بأعمال وزارة الحربية والبحرية، لكن «سري» (باشا) فوجئ بطلب ملكى آخر يعتبره الملك «فاروق» ضروريا «ليس فقط لكرامة القصر ولكن لهيبته أولا»، وذلك الطلب هو تعيين اللواء (حسين سرى عامر) وزيرا للحربية والبحرية فورا.
وعاد «سري» (باشا) (وفق روايته) يطلب من «كريم ثابت» (وهو الآن وزير الدولة فى وزارته) ـ إبلاغ الملك أن طلبه الجديد ـ بعدما جرى فى طلب ملكى سبقه ـ يمكن أن يؤدى إلى تعقيدات نحن فى غِنى عنها قبل إجازات الصيف، وقد أسر إليه «كريم ثابت» بأن «الملك من رأيه أن دخول «حسين سرى عامر» فى الوزارة هزيمة ساحقة لعناصر الشغب فى نادى الضباط، وخصوصا أن اللواء «حسين سرى عامر» من موقعه الجديد سوف يستطيع أن يكشف عناصر التآمر الحقيقية التى تحرك من الخفاء، كذلك سوف يتمكن من كشف وضرب هذه العناصر وتصفيتها «حتى إذا كان الملك فى الإجازة!».
لكن رئيس الوزراء لم يقتنع وقد ظل مترددا، بينما الملك يزداد ضيقا، خصوصا أنه عاد مرة أخرى يقترح «أنه من الأفضل ولتلافى كل المشاكل أن يوافق الملك على اقتراحه السابق بتعيين اللواء «محمد نجيب» وزيرا للحربية، ويكون هو الذى يتكفل بتحقيق «الرغبة الملكية» فى ضبط أمور الجيش ـ وينقل «كريم ثابت» هذا الاقتراح إلى الملك الذى يرفض بشدة، لأن تعيين «نجيب» وزيرا للحربية الآن معناه أن القصر يتراجع أمام حفنة من الضباط المشاغبين تحركهم «عصابة خفية» لابد من «كشفها بسرعة» و«ضربها بعنف». ورأى الملك «أن ظهور القصر وكأنه يتراجع ويقبل بحلول وسط»، سوف يجعل أى واحد «يطمع فينا»!».

ويكتب القائم بالأعمال البريطانى يوم 20 يولية 1952 برقية أخرى يقول فيها: «إننا نسمع نقلا عن القصر الملكى أنهم هناك يستعدون لتوجيه ضربة قاصمة إلى الضباط الذين يثيرون القلاقل.

وفى اليوم التالى 21 يولية1952 يكتب «كرسويل» (رقم 1046) برقية إنذار إلى وزارة الخارجية فى لندن يقول فيها:

«لدينا معلومات مؤكدة بأن هناك مشاكل كبيرة داخل الجيش، وعلمنا أن الموقف قد يتدهور سريعا، ولذلك فإننا نوصى بإصدار تحذير وقائى إلى القوات البريطانية فى منطقة قناة السويس برفع درجة استعدادها، مع إحاطة القائد العام للقوات البريطانية فى مصر بخطورة الموقف. إننا سمعنا أنباء متضاربة عن تحركات عسكرية لقوات كبيرة نحو الإسكندرية، ونسمع أن عددا من ضباط الجيش رفضوا إطاعة أوامر صدرت إليهم، ويبدو لنا أن الأحوال مهيأة لعِصيان عسكرى، وذلك يغير قواعد اللعبة».

وفى نفس اليوم (21 يولية) يكتب السفير الأمريكى «جيفرسون كافري» إلى واشنطن، وفى تقريره لهجة مختلفة تماما عن لهجة «كرسويل» ـ فهو يقول: «يبدو أن التوترات التى كانت مستحكمة داخل الجيش المصرى خفت حِدَّتُها قليلا، وقد تلقينا أنباء عن صدور أمر ملكى إلى اللواء «محمد نجيب» رئيس مجلس إدارة نادى ضباط الجيش بأن يبتعد عن القاهرة فورا وأن يتوجه إلى جنوب الصعيد».

ولم يكن تقرير السفير الأمريكى دقيقا ـ وكان تقرير الوزير البريطانى المفوض أكثر دقة، وأقرب إلى حقائق موقف يتغير مع كل دقيقة!

فى رأى «سري» (باشا) أن كل المصائب يمكن تداركهــــا، ولكـــن الجيش هو الكــارثة التى لا حيلة له فيها، ثم إن وضع «حســـين سرى عــامر» بالذات هو بـــؤرة الاســـــتفزاز فمنـــــذ سقوطه فى انتخابات رئاسة نادى الضبـــاط (فى ديســــمبر 1951) ـ وحتى محاولة اغتياله الفاشــــلة (فى مــــايو 1952) ـ أصبــح اســــــمه فى حد ذاته هو الشال الأحمر الذى يلوح به مصـــارع الثيـــران أمام الثور الهائج!


القائم بالأعمال البريطـــــانى فــــى القاهــرة «كرســـويل» يبــــلغ رئيـــس الديــوان «حافـــظ عفيـفي» (باشا) بأن حكومته تشعر بالصدمة إزاء المعلومات التى بلغتهــا عن أسباب تغيير وزارة «الهـــلالي» (باشا)، وأن الســـفير الأمريكى (ممثلا لحكومته) يشعر بنفس الشعور. وأنه يرى أن مصلحة مصـــــر لا تتفــــق مـــع هذا المســــتوى من التصـــرفات التـــــــى تـــــؤدى إلــــــى استئصال كل العناصر النزيهة فى الحيـاة الســـــياســـية المصــــرية
-----
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pearls.almountadaalarabi.com
 
تاريخ ثورة 23 يوليو في مصر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي لآلـــئ :: المنتديات المتخصصة :: تاريخ مصر-
انتقل الى: